🟠ذروة جديدة من المواجهة: ورقتا هرمز ولبنان تشعلان الحرب؟

تجميع أوراق الضغط من فريقَي الحرب، إدارة الرئيس دونالد ترامب والقيادة الإيرانيّة، قد يعيد العمليّات العسكريّة بأقصى كثافتها بدلاً من ترجيح المفاوضات، بعكس ما تسعى إليه واشنطن وطهران من تعزيز أوراقهما. في ظلّ الهدنة الهشّة، يُحتمل أن تنزلق مناورات كلّ منهما في مضيق هرمز ولبنان إلى ذروة جديدة من المواجهة. يبالغ ترامب في المراهنة على إنتاج انفجار داخليّ من حصاره لشواطئ إيران، وتعطيله إمساكها بورقة هرمز، وتتوهّم الأخيرة إمكان استثمار حاجة ترامب إلى وقف الحرب.

حين أعلن دونالد ترامب أنّه أبلغ الكونغرس بأنّ الحرب انتهت قبل انتهاء مهلة الستّين يوماً الدستوريّة التي تخوّله شنّها من دون العودة إلى المشرّعين الأميركيّين، اقترن ذلك مع نيّته الاكتفاء بحصار الشواطئ الإيرانيّة.

معركة هرمز وتراجع الاقتصاد

ذهبت بعض الأوساط الأميركيّة إلى حدّ المراهنة على سقوط النظام من الداخل. استندت تلك المراهنة إلى مؤشّرات الاقتصاد وفق أرقام صدرت من طهران نفسها.

يحرم الحصار ردّاً على تحكّم طهران بمضيق هرمز اقتصاد إيران من نحو 450 مليون دولار يوميّاً من بيع النفط، لعلّ ذلك يدفعها إلى التنازل أو يؤدّي إلى تضعضع الفريق الحاكم. هذا علاوة على احتمال تعطيل استخراج النفط في حال بلغ التخزين ذروة لا تسمح بمواصلة تشغيل الآبار فتُضطرّ إلى إقفالها الذي يتسبّب بصعوبة إعادة تشغيلها بقوّتها الحاليّة، أي أنّ الاستخراج يمكن أن ينخفض لاحقاً بحوالي 30-40 في المئة. وهو ما تحاول طهران تجنّبه بابتداع وسائل تخزين في ناقلات النفط لديها (التخزين العائم) وفي خزّانات جزيرة خرج، أو حتّى بإحراق بعض الإنتاج للإبقاء على استمراريّة العمل في آبار النفط.

أشارت وكالة “تسنيم” الإيرانية إلى أنّ التضخّم بلغ حتّى الشهر الماضي 50.6 في المئة، متوقّعة ارتفاعه 7 في المئة إضافيّة بعد الحصار. أمّا إذا تجدّدت الحرب فيُتوقّع وفق صحيفة “دنياي اقتصاد” الاقتصاديّة الإيرانيّة أن يبلغ 132 في المئة.

من أوجه الخسائر الاقتصاديّة الإيرانيّة، من دون احتساب الدمار، قول وزﻳﺮ اﻻﺗّﺼﺎﻻت الإيرانيّ ﺳﺘّﺎر ﻫﺎﺷﻤﻲ إنّ ﻋﺪم اﺳﺘﻘﺮار اﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ﻳﻌﻨﻲ ﺗﻬﺪﻳﺪاً ﻣﺒﺎﺷﺮاً ﻷﻋﻤﺎل ﺣﻮالي 10 ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺷﺨﺺ ﺑﺈﻳﺮان، وكان بذلك يعلّق على الأثر السلبيّ لتقييد السلطات الأمنيّة الإنترنت منذ بداية الحرب آخر شباط الماضي. يشمل رصد أرقام التراجع الكبير في الاقتصاد طبعاً الهبوط الخياليّ في سعر العملة الإيرانيّة التي بلغ سعر صرفها مقابل الدولار مليوناً و800 ألف ريال.

ترامب وانهزام إيران من الدّاخل؟

لم تتخلَّ إدارة ترامب عن هدف إضعاف النظام أو تغييره من الداخل جرّاء الحرب ثمّ الحصار. على الرغم من خيبة تصريحاته بأنّ النظام تغيّر، هناك توجّه لدى إدارته للمراهنة على هذا التغيير مجدّداً. لعلّ الحديث عن ذلك في بعض الأوساط الأميركيّة ينبع من رغبة في ابتداع مخرج (EXIT) من الحرب، على الرغم من اعتداد ترامب بقدرات بلاده وجبروت جيشها.

في هذا السياق نشرت مجلّة “فورين أفيرز” الأميركيّة مقالاً في الأوّل من أيّار بعنوان “دعوا إيران تهزم نفسها”. لا تقيم وجهة النظر هذه وزناً لإمكان التوصّل لاتّفاق معقول مع حكّام إيران لأنّ الأخيرة ستتحايل على أيّ اتّفاق حتّى لو سلّمت اليورانيوم العالي التخصيب. تتشكّك في صدقها في تسليم الكمّيّة بكاملها، وإتلافها أجهزة الطرد، ولا تثق بتخلّيها عن الأذرع.

أكثَر الرئيس الأميركيّ من التصريح عن الخلافات بين حكّام طهران. عزّز ذلك أنّ الوسيط الباكستانيّ اكتشف كم أنّ الوفد الإيرانيّ الذي حضر إلى إسلام آباد في 11 نيسان الماضي متعدّد الرؤوس. تعزّز هذا الانطباع حين اضطرّ قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير لاحقاً إلى قضاء 3 أيّام في طهران للاجتماع إلى كلّ مراكز القوى في إطار وساطة بلاده.

تحالف رجال الدّين بقيادة مجتبى وقادة “الحرس”

أمّا حقيقة الأمر، وفق خبراء واسعي الاطّلاع على أحوال القيادة الإيرانيّة، فهي أنّها جدّدت نفسها على الرغم من الضربات القويّة. يشير هؤلاء إلى الآتي:

أهمّيّة تحالف القيادة الدينيّة بزعامة مجتبى خامنئي مع القيادة العسكريّة إبّان تحضيره لوراثة والده. هؤلاء ورثوا العقيدة المتشدّدة من المرشد الراحل، فيما يشكّل مجتبى نقطة لقائهم مع “حرس الثورة”.
تتألّف القيادة العسكريّة، التي تشكّلت من المتشدّدين من أصحاب التاريخ العنيف في مواجهة الخصوم في الخارج والداخل، من الثلاثيّ قائد “حرس الثورة” أحمد وحيدي، قائد “الحرس” السابق محمد عليّ جعفري، ورئيس جهاز استخباراته السابق حسين طائب، المعروف مثل وحيدي ببطشه بحركات الاحتجاج الداخليّة خلال العقدين الماضيين. يضاف إليهم أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ محمّد باقر ذو القدر.

ثبت تماسك هؤلاء في التشبّث بورقة “هرمز” بعد مبادرة ترامب إلى تعطيلها، وقبل ذلك التشدّد في المفاوضات.

هل ينقذ تدخّل عربيّ لبنان من التّمزّق؟

أمّا ورقة لبنان فإنّ الصراع عليها يزداد شراسة وحراجة. تثقل على تركيبة لبنان الهشّة جهودُ الإدارة الترامبيّة لانتزاع هذه الورقة من طهران بإصرارها على لقاء بين رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، فيما الأوّل ليس بهذا الوارد.

لم يعد أمام الرئيس اللبنانيّ سوى الاتّكال على تدخّل عربيّ كان ساهم لدى واشنطن في وقف النار على الجبهة اللبنانيّة للتراجع عن هذا الشرط لمصلحة إطلاق مفاوضات مباشرة على مستوى موفدين رفيعي المستوى تتعلّق بانسحاب إسرائيل التدريجيّ بالتوازي مع استعادة الجيش السيطرة على الجنوب وإخلائه من “الحزب”.

لم يستطِع الرئيس اللبنانيّ إقناع السفير الأميركيّ ميشال عيسى بالتخلّي عن مطلب ترامب، حين شدّد في اجتماعه معه على الحاجة إلى التفاوض قبل البحث في لقاء رئيس الوزراء الإسرائيليّ، حسبما أكّدت أوساط الرئاسة اللبنانيّة لـ”أساس”.

لم تبدِ واشنطن حماسة لتحديد موعد لعون في البيت الأبيض كي يشرح لترامب الموقف اللبنانيّ، وتركت لنتنياهو حرّيّة العمليّات العسكريّة في جنوب لبنان باستثناء بيروت وضاحيتها. تقابل طهران الضغط الأميركيّ بتعبئة سياسيّة وإعلاميّة وشعبيّة ضدّ أركان السلطة، فتتفاقم السخونة الطائفيّة بين القوى المؤيّدة لتوجّهات عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، وبين “الحزب” الذي اضطرّ رئيس البرلمان نبيه برّي إلى التضامن معه.

وليد شقير- اساس

مقالات ذات صلة