🔔خاص – “من المهدي إلى عماليق”: “التاريخ يتكرر والوجوه تتبدّل”!
الشرق الأوسط بين الخرافة وإعادة تشكيل النظام العالمي

في خضمّ التصعيد الأميركي الإسرائيلي على إيران، وانقضاض الأخيرة على الدول العربية بذريعة انطلاق صواريخ أميركية من أراضيها باتجاه بلاد الملالي، يتجاوز التحليل السياسي التقليدي حدود الجغرافيا والمصالح إلى طبقات أعمق من الرمزية والميثولوجيا والوعي الجمعي.
فالحروب في الشرق الأوسط لم تكن يوماً صراع قوّة فقط، بل صراع سرديات كبرى، حيث تتداخل الأساطير الدينية مع الاستراتيجيات الواقعية، ويُعاد توظيف الماضي لتفسير الحاضر وصناعة المستقبل.
بين الظواهر الطبيعية والخرافات الدينية
“بوابة إبليس” التي فُتحت على المنطقة العربية ككل أمس الأوّل، سواء قُرئت كعملية ردع أو كجزء من إعادة رسم التوازن الإقليمي، اكتسبت بُعداً رمزيّاً خاصّاً بسبب تزامنها مع مراحل دينية وفلكية كثيفة المعاني ما بين حكايا توراتية من جهة أو اصطفافات كوكبية من جهة أخرى، لاسيما “القمر الدموي”.
هذا التزامن، حتى ولو كان عرضيّاً، أعاد في مخيلة الكثيرين، إنتاج فكرة “التاريخ الدائري للزمان”، وتعابير من نوع “على الباغي تدور الدوائر” و”التاريخ يتكرر والوجوه تتبدّل”، عبارات ترتبط الحاضر بالماضي، حيث لا يمكن فهم الأحداث الكبرى باعتبارها مراحل وقائع منفصلة عن أحداث الزمان، بل حلقات مترابطة من الصراعات بين في الخير والشر.
المُخلّص والتجارة بالدين
في هذا السياق، يظهر البُعد الميثولوجي للنظام الإيراني نفسه، فالدولة الإيرانية منذ “الثورة المتأسلمة” عام 1979، لم تقدّم مشروعها بوصفه سياسيّاً فقط، بل رساليّاً وتاريخيّاً، يستند إلى سرديات “الأمام المُغيّب”، والوصايا الإلهية التي أرستلهم للقضاء على الاستضعاف العالمي ومواجهة الهيمنة، حتى بلغ الأمر بهم أنّ “ولاية الفقيه” كلّفهم بها “المهدي المنتظر” القادم في آخر الزمان وفق الموروث الشعبي.
توالت الأزمان وتعاقبت حتى تحوّلت “إيران الملالي” نفسها إلى “قوى استكبار وتجبّر وإخضاع وقمع”، وكل مَنْ لا يناصرها يُصنّف في خانة العدو الخائن والعميل لـ”الشيطان الأكبر” و”العدو الصهيوني”، خاصة بعدما أدلجت فكرة “تحرير القدس” التي تدغدغ مشاعر الشعوب العربية.
هذه الرؤية منحتها القدرة على الصمود رغم العقوبات والضغوط، لكنها في الوقت ذاته جعلتها تدخل في مواجهة مفتوحة مع قوى كبرى، في نمط تاريخي ارتبط بنهايات تحوّلية لا بانتصارات نهائية.
العزف على وتر الخوف
وعلى الضفّة المقابلة، ظهر خطاب صهيوني جديد، يحمل “رموزاً توراتية”، مبعثها “الخرافات الإسرائيلية لاسيما قصة “عماليق” الشيطان الذي هزمته “التلمودية” الطاهرة، بزعم حكايا التصهين، مع شكوك حول اختيار موعد العدوان على إيران غداة دخول “التقويم العبري” في أحد أكثر الأسابيع رمزيةً في الوعي الديني اليهودي “شَبّات زاخور”، أي يوم السبت الذي يسبق مباشرة “عيد بوريم”، أو “عيد المساخر”، الذي يحتفل فيه اليهود بالنجاة من الإبادة على أيدي الإمبراطورية الفارسية قبل 2500 عام حسب “سفر أستير”.
أما “شَبّات زاخور” فهو يوم السبت الذي يُتلو فيه أحبار اليهود آيات “سفر التثنية 25: 17–19” التوراتيّة، التي تأمر بعدم نسيان “عدو إسرائيل القديم: عماليق”، مؤسّسين لواجب تتوارثه الأجيال ويدعو إلى “محو ذكر عماليق”، وعلى مر السنوات أصبح وصف عماليق ينطبق على أعداء إسرائيل لأي زمان ومكان انتموا.
من هنا انتقل الصراع من مستوى الأمن القومي إلى مستوى الوجود والهوية. وعندما تتحول الحروب إلى صراعات وجودية، تصبح التسوية أصعب، وتزداد احتمالات التحولات الكبرى في بنية النظام الإقليمي، حيث لم يعد ما وراء العدوان الأميركي – الإسرائيلي يقتصر على مواجهة عسكرية، بل يرتبط بإعادة تشكيل النظام الدولي نفسه: صعود قوى جديدة، تراجع أخرى، وصراع على الممرات والطاقة والتكنولوجيا.

خاص Checklebanon


