🔔خاص – ما حقيقة الغياب الأميركي الإسرائيلي عن “الميكانيزم”.. ورسائل النار في سماء البقاع والجنوب!؟

لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري على خط الجنوب بوصفه سلسلة أحداث منفصلة أو تطورات تقنية عابرة. فالمشهد بات أكثر وضوحاً: مسار دبلوماسي يتراجع تدريجياً، مقابل تصعيد ميداني يتقدّم بثبات، في محاولة لإعادة فرض قواعد اشتباك جديدة بالقوة. وما جرى أمس لم يكن تفصيلاً، بل محطة مفصلية تعكس تحوّلاً في المقاربة الأميركية – الإسرائيلية، من إدارة التوتر إلى استخدامه كأداة ضغط مباشرة على لبنان.
في هذا السياق، عُقد اجتماع “لجنة مراقبة التثبت من وقف الأعمال العدائية – الميكانيزم” بغياب الجانب الإسرائيلي، كما غاب للمرة الثانية رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، الذي أوفد أحد الضباط من فريقه المساعد لترؤس الجلسة. هذا الغياب لم يُقرأ في بيروت كإجراء إداري أو ظرفي، بل كإشارة سياسية واضحة تحمل أبعاداً تتجاوز إطار اللجنة نفسها.
مصادر مطّلعة على أجواء الاجتماع أكدت أنّ الجانب اللبناني شدّد على أهمية استمرار عمل هذه الآلية، باعتبارها الإطار الوحيد القائم لضبط التوتر وتوثيق الخروقات، وهو موقف يحظى بدعم فرنسي واضح. فباريس ترى أنّ الحفاظ على اللجنة يشكّل شبكة أمان لمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الإقليمي.
لكنّ التطور الأبرز تمثّل في التزامن اللافت بين الغياب الأميركي – الإسرائيلي وبين الغارات الواسعة التي شنّها الجيش الإسرائيلي على مناطق في البقاع والجنوب. هذا التزامن لم يُفسَّر في الأوساط السياسية والأمنية اللبنانية إلا كرسالة مزدوجة: من جهة، تقويض فعالية المسار الرقابي، ومن جهة أخرى تثبيت معادلة جديدة مفادها أنّ الميدان هو المرجعية الأولى.
وتشير معطيات أمنية إلى أنّ حجم الضربات وطبيعة الأهداف عكسا انتقالاً إلى مستوى تصعيدي مختلف، سواء من حيث كثافة النيران أو اتساع الرقعة الجغرافية، في ما بدا عرضاً للقوة أكثر منه رداً موضعياً. وقد اعتُبر ذلك ضغطاً مباشراً على الداخل اللبناني، ورسالة إلى القوى الدولية بأن تل أبيب قادرة على فرض وقائع ميدانية بمعزل عن أي مسار تفاوضي.
المقابل، تطرح مصادر دبلوماسية احتمال أن تكون واشنطن تسعى، عبر هذا الأداء، إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك بما يتلاءم مع أولوياتها الإقليمية، خصوصاً في ظل مسارات تفاوضية مفتوحة في المنطقة. ووفق هذه القراءة، فإن إضعاف دور اللجنة قد يشكّل مدخلاً لترتيبات أمنية جديدة، أو أداة لرفع مستوى الضغط السياسي على لبنان.
في بيروت، لا يزال الرهان على استمرار الاجتماعات قائماً، انطلاقاً من قناعة بأن أي فراغ رقابي سيؤدي إلى انفلات غير محسوب. وتؤكد أوساط رسمية لبنانية أنّ الإصرار على عقد الجلسات وتوثيق الخروقات، حتى في ظل الغياب الأميركي والإسرائيلي، يهدف إلى تحميل المجتمع الدولي مسؤولياته ومنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة.
خلاصة المشهد أنّ الرسائل التي وُجّهت أمس لم تكن عسكرية فقط، بل سياسية بامتياز. فبين الغارات والغياب، يظهر توجّه واضح لإعادة ضبط التوازنات بالقوة، ما يضع لبنان أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوط الميدانية مع الحسابات الدبلوماسية. والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا المسار سيقود إلى تثبيت قواعد جديدة، أم إلى توسيع دائرة المواجهة.

خاص Checklebanon



