🔔خاص – موازنة 2026 : بين أكذوبة الإصلاح وشرعنة نهب الفقراء!

“حاميها حراميها” ليست مجرّد مثلٍ شعبي في لبنان، بل توصيف دقيق لدولةٍ تكذب على شعبها باسم الإصلاح، فيما تمارس سياسات تخدم “كارتل الأغنياء”، الذي يشكّل السياسيون أنفسهم جزءاً أساسيّاً منه.

دولة ترفع خطاب الإصلاح الضريبي في بياناتها الوزارية، ثم تُفرِغه من مضمونه في موازناتها، على عكس دول العالم التي تحترم أوطانها وتعتبر الموازنة أداة عدالة اجتماعية لا وسيلة نهبٍ مقنّع.

كوارث موازنة 2026
موازنة عام 2026، كما موازنات الأعوام السابقة، تواصل النهج ذاته: إعفاء أصحاب الثروات والرساميل والمهن الحرّة من المساهمة الفعلية في تمويل الدولة، مقابل زيادة العبء الضريبي على الاستهلاك اليومي للأسر. الضرائب غير المباشرة تتضخّم، بينما تُحمى الأرباح الكبيرة والدخول المرتفعة، في تكريسٍ صارخ لتفاوتٍ اجتماعي حاد، وتحويل الموازنة إلى أداة لجباية المال من الفقراء بدل توزيع الأعباء بعدالة.

فضائح بالأرقام
الأرقام وحدها تفضح هذا الخيار. فقد راكمت الدولة اللبنانية بين عامي 2023 و2025 فوائض مالية إجمالية بلغت نحو 2.087 مليار دولار، نصفها تقريباً تحقّق في عام 2025 وحده. ففي ذلك العام، لم تتجاوز نفقات الموازنة 5 مليارات دولار، فيما وصلت الإيرادات العامة إلى حوالى 6 مليارات دولار. أي أنّ الدولة جبت من الناس أكثر مما أنفقت، في ظل سياسات تقشّفية قاسية، وانسحاب شبه كامل من مسؤولياتها الاجتماعية.

وهنا لا تبقى الموازنة أرقاماً جامدة، بل تتحوّل إلى معاناة يومية تطال أكثر الفئات التزاماً وخدمةً للدولة. فالموظفون في القطاع العام، والمتقاعدون، ولا سيّما العسكريون منهم، إلى جانب العمّال العاديين، يعيش معظمهم اليوم على رواتب لا تتجاوز 120 دولاراً شهريّاً، في بلدٍ باتت كلفة المعيشة فيه تُقاس بآلاف الدولارات. رواتب فقدت معناها، وتحولت إلى مجرّد بدل انتقال أو إعانة ظرفية، فيما تُترك هذه الفئات لمواجهة الغلاء والانهيار بلا أي حماية أو تصحيح جدّي للأجور.

المعنى الحقيقي للظلم
أما تعويضات نهاية الخدمة، فتمثّل الإهانة الأكبر. فبعد ثلاثين عاماً أو أكثر من العمل والخدمة، يجد العسكري أو الموظف أو العامل نفسه أمام تعويض لا يتجاوز 4 أو 5 آلاف دولار، بعدما كان من المفترض أن يكون ضمانة للشيخوخة وكرامة العيش. سنوات عمر كاملة تبخّرت بفعل السياسات المالية والنقدية نفسها التي راكمت الفوائض، فصار الإخلاص للدولة عبئاً، وصارت الحقوق مجرّد وعود خاوية.

ورغم ذلك، لم تُستخدم هذه الفوائض لتصحيح هذا الظلم. كان بإمكان الحكومة، في عام واحد فقط، أن تخصّص مليار دولار لدعم المتضرّرين من الحرب، ولإعادة الإعمار، ولتصحيح الأجور، لكنها قرّرت ألّا تفعل. بدل ذلك، جرى تكديس الإيرادات في حسابات الدولة لدى مصرف لبنان بذريعة تثبيت سعر الصرف، وكأنّ الاستقرار النقدي أهم من كرامة الناس وحقّهم في الحياة.

“خافوا الله بالناس”
وفي المقابل، تتفاقم النتائج: ارتفاع معدّلات الفقر، توسّع التسرّب المدرسي، تفشّي البطالة، تسارع الهجرة، وارتفاع كلفة المعيشة إلى مستويات تهدّد الأمن الغذائي لشريحة واسعة من اللبنانيين. كل ذلك يحدث فيما الدولة تملك المال، لكنها تختار ألّا تقوم بدورها، وتسقط معها كل ذرائع “عدم توافر التمويل”.

ويبقى السؤال الجوهري: متى يحلّ في لبنان مسؤول واحد، يعمل لوجه الله، يعتبر البلد أمانة لا غنيمة، ويضع الموازنة في خدمة الناس لا ضدّهم؟ متى يأتي من يعيد للدولة معناها، وللوطن قيمته، ويدفع الناس إلى حبّ بلدهم بدل التعامل معه بهمجية ناتجة عن القهر واليأس؟

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة