🔔خاص – برّي..”الأخبار”… ومَنْ يكذب ومَنْ يُمرِّر: هكذا تبدأ الصفقات الكبرى؟

في “بلدنا المأزوم بسياسييه” لا تُقاس خطورة الأخبار بما يُقال فقط، بل بما يُسارع أصحابه إلى نفيه، وحين يتعلّق الأمر بالعدو الإسرائيلي، يُصبح النفي نفسه مادّة اشتباه لا قرينة براءة.

خبر صحيفة “الأخبار” عن اقتراح رئيس مجلس النواب نبيه برّي تشكيل وفد سياسي ثلاثي للتفاوض مع إسرائيل، لم يكن تفصيلاً عابراً ولا مجرّد اجتهاد صحفي، كما أنّ “النفي الغاضب” الذي صدر عن “عين التينة” واتهام “صحيفة الممانعين” بالاختلاق، لم يُقفِل الملف بقدر ما فتحه على مصراعيه، فنحن أمام سيناريو لبناني مألوف: تسريب، نفي، اختبار ردود الفعل، ثم انتظار اللحظة المناسبة.

هنا بيت القصيد!!
حين تنشر صحيفة محسوبة على ما يُسمّى “محور المقاومة” خبراً بهذا الوزن، فهي لا تفعل ذلك سهواً. إمّا أنّها تملك معطيات من داخل غرف القرار، أو أنّها تؤدّي دوراً في تهيئة الرأي العام لما يجري تحضيره في الكواليس. وفي الحالتين، نحن أمام فعل سياسي مقنّع بثوب صحفي، يكسر أحد آخر المحرّمات تحت عنوان “النقل الإعلامي”.

ما نقلته “الأخبار” ينسجم تماماً مع السياق الضاغط القائم، فالحديث عن “وفد سياسي ثلاثي” لا يمثّل مجرّد تعديل في الشكل أو اجتهاد في الصيغة، بل هو انقلاب كامل في المضمون، لأنّه يفتح الباب أمام “شرعنة” التفاوض السياسي المباشر مع إسرائيل، ولو تحت عناوين ملتبسة من نوع “التمثيل الطائفي” أو “الضرورة الوطنية”.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
الانتقال الهادئ من إدارة نزاع تقني إلى اعتراف سياسي مقنّع، يُسوَّق على جرعات، ويُنفى عند اللزوم، بحيث لا يعود نفي “حامل مفتاح ساحة النجمة” كافياً لإقفال النقاش، فالرجل، بحكم موقعه وتاريخه، ليس شخصاً عادياً في أي ملف تفاوضي، بل هو الذي أدار – أو غطّى – أشكالاً مُتعدّدة من التفاوض غير المباشر، من الجنوب إلى ترسيم الحدود البحرية، لذلك، فإنّ الزعم بأنّ اسمه استُخدم من دون علمه في ملف بهذا الحجم، لا يُقنع إلّا من يريد أن يُقنع نفسه.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان “الإستيذ” قد قال ذلك حرفيّاً، بل ما إذا كان الطرح يعكس اتجاهاً عامّاً يجري اختباره، فـ”أبو مصطفى” كما غيره من أركان السلطة، يُجيد اللعب في الزمن الصعب: إدارة الضغوط في الكواليس، وطمأنة الحلفاء في العلن، وترك الباب مواربًا أمام كل الاحتمالات، لكن المشهد لا يكتمل من دون وضع الإصبع على الجرح الأكبر.

سقطت ورقة التوت!
إسرائيل، بدفع أميركي مباشر، تضغط لإنهاء عمر “لجنة الميكانيزم” وكلّ ما تمثّله من غطاء تقني هشّ. المطلوب واضح: رفع مستوى التمثيل إلى مستوى وزاري، لبناني – إسرائيلي – أميركي – فرنسي، وتحويل التواصل من إدارة احتكاك إلى تفاوض سياسي مباشر، مهما اختلفت التسميات.

وعليه، تنكشف “عورة الدولة اللبنانية” كاملة. رئيس حكومة لا يمانع؛ رئيس جمهورية يتوجّس ويتهرّب؛ رئيس مجلس نوّاب ينفي اليوم ما قد يُدار غداً؛ وقوى سياسية تكتفي بالاعتراض الكلامي، فيما الوقائع تُصاغ خارج البيانات.

كلكم شركاء!
في هذا الملف، لا أبرياء: “الأخبار” ليست بريئة من التسويق أو جسّ النبض.. برّي ليس بريئاً من الشك أو الالتباس.. السلطة ليست بريئة من العجز أو التواطؤ الصامت.. أما حكومة تل أبيب فهي الوحيدة التي تقول ما تريد بوضوح: تفاوض مباشر، علني، سياسي، وتدريجي مع لبنان المنهك.

الخطير ليس فقط أن نصل إلى طاولة التفاوض، بل أنْ نصل إليها ونحن نكذب على أنفسنا: نسمّي التفاوض لجنة، والوفد السياسي تمثيلاً طائفيّاً، والتنازل إدارة أزمة، والنفي موقفاً وطنيّاً.

هكذا تبدأ الصفقات الكبرى في لبنان: بخبرٍ يُنشر، وبيانٍ يُكذّبه، وبحقيقةٍ تُمرَّر لاحقاً.. بصمت.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة