🔔خاص: برناديت حديب..صمتها يتكلم وعيونها أصدق من كل الحروف!

في حضرة برناديت حديب… يصير الوجع فنًا
مبروك للقضية حين تجد فنًّا لا يساوم.. مبروك للفكرة عندما تُقال بلا كلمات.. مبروك للصمت الذي تحوّل على الخشبة إلى حكاية وجع كاملة.. وللصوت الذي خُنق فأنطق العيون.. فكانت النظرة أبلغ من ألف خطاب.. مبروك لعتمة المسرح التي لم تبتلع المشهد.. بل أضاءته نضجاً وصدقاً.. والمبروك الأكبر لساعة كاملة من الصمت النبيل.. حملت خلالها المبدعة برناديت حديب واحداً من أجمل وأعمق أدوارها.. أداءً يليق بتاريخها وجرأتها الفنية.
“وسكتت عن الكلام المباح”.. العمل الجديد للمخرج والكاتب والممثل عصام بو خالد، بالتعاون مع سرمد لويس، لم يكن مجرّد عرض مسرحي، بل حدثاً إنسانيّاً وثقافيّاً، جمع بأربعة عروض فقط على خشبة مسرح “دوّار الشمس”، أهل الفن والإعلام والثقافة، وجمهور يبحث عن مسرح يحمل رسالة لا زينة. عن رسالة تُسلّط الضوء على العنف الأسري، لا بوصفه حادثة فردية، بل جريمة دموية تتكرّر بصمت.

حين تصبح التعابير لغة
برناديت حديب لم تُجسّد امرأة بعينها، بل جسّدت مصيراً. جسدها كان النص، ونظرتها كانت السرد، وأنفاسها حملت ما عجزت عنه اللغة. هي الجثة الصامتة في مجتمع اعتاد إسكات النساء، لكنها جثة نابضة بالمعنى، تفضح بالصمت ما لا يُحتمل قوله. لم تلجأ إلى المبالغة أو الانفعال السهل، بل اختارت الأصعب: الصمت كاعتراف، والسكوت كفعل مقاومة. كل حركة مدروسة، وكل توقّف محمّل بالثقل، كأن الألم ذاته صار مادّة تمثيلية تُصاغ بوعي فني ومسؤولية عالية.

ليس للتعاطف… بل للمواجهة
في الجهة المقابلة، يطلّ الزوج الذي أدّاه عصام بو خالد كمرآة مخيفة لواقع مألوف: عنف مبرّر باسم الحب، وسيطرة مقنّعة بالحرص. بين طبيب يحاول التشخيص، ومساعد يراقب، وموسيقى تسعى إلى فتح كوة للشفاء، تتشكّل دائرة ذكورية كاملة تُحاصر امرأة واحدة. الحقيقة لا تنفجر دفعة واحدة، بل تتسرّب ببطء، عبر الكدمات، عبر الجسد المكسور، وعبر ذلك الصوت الغائب الذي يتحوّل إلى سؤال أخلاقي موجع: من يتكلم حين يُمنع الكلام؟
“وسكتت عن الكلام المباح” ليس عرضًا يستدرّ الشفقة، بل عمل يفرض المواجهة. مسرح لا يهادن ولا يجمّل، بل يعرّي الواقع، ويكشف كيف يمكن للصمت أن يصبح شريكاً في الجريمة، وكيف يُستخدم الحب ذريعة للهيمنة..
وتبقى التحية الأكبر لبرناديت حديب، التي جعلت من الصمت بطولة، ومن الجسد بياناً، ومن الفن فعل شجاعة لا يُنسى، وأعادتنا إلى دورها السينمائي “لما حكيت مريم” لتؤكد أنّها النجمة الصارخة بصوت المرأة ووجعها بأي طريقة كانت..





خاص Checklebanon



