🔶خاص – في جمهورية الوهم.. كم “أبو عمر” لا يزال بيننا؟!

لم تكن “فضيحة أبو عمر”، الذي “ملأ الدنيا وشغل الناس”، مُدعياً لسنوات طويلة أنّه “أمير سعودي” ويتمتّع بقنوات تواصل مباشرة مع الديوان الملكي، مُجرّد حادثة نصب فردية عابرة، بقدر ما شكّلت مرآة كاشفة لمرضٍ أعمق ينهش الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود: قابلية واسعة للتصديق، والبحث عن النفوذ عبر الوهم، وتجاوز القنوات الرسمية لصالح طرق ملتوية توهم أصحابها بالربح السريع.
التحقيقات الأمنية أظهرت أن الشخص الذي كان ينتحل هذه الصفة هو مواطن لبناني يُدعى مصطفى الحسيان، من شمال لبنان، ويُشتبه في أنه كان يجري الاتصالات مستخدمًا لهجة وأرقام هواتف توحي بارتباطات خارجية، بهدف تعزيز المصداقية.
بحسب الإعلام المحلي الذي لم يهدأ بعد من سيرة “أبو عمر”، فإنّ الأخير استطاع منذ العام 2015 نسج شبكة “علاقات هاتفية” مع سياسيين وناشطين ووسطاء، بلغت ذروتها خلال الانتخابات النيابية عام 2022، حيث لعب دوراً مؤثّراً – وفق الروايات المتداولة – في التلاعب ببورصة الترشيحات، وإيهام أطراف عدة بدعم سياسي ومالي خارجي.
غير أنّ الصدمة الكبرى تمثّلت حين تبيّن أنّ هذا الرجل ليس سوى عامل نظافة بسيط، جرى استخدامه – أو تركه يتمادى – في لعبة أكبر بكثير من حجمه وقدراته.
مَنْ الضحية.. ومَنْ المستفيد؟
التحوّل في الرواية، من “أمير مُزيّف” إلى “أداة مُستغلّة”، فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة: مَنْ الذي صنع هذه الشخصية؟؛ مَنْ ضخّ لها القوة الوهمية؟؛ ومَنْ استفاد من تمرير الرسائل الكاذبة وخلط الأوراق السياسية؟
التقارير التي تحدّثت عن وصول لوائح أسماء إلى كلّ من السفير السعودي في لبنان وليد بخاري، والموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، تتضمّن – وفق ما نُشر – أسماء شخصيات لبنانية حاولت تجاوز الممثلين الرسميين للمملكة العربية السعودية، سعياً للوصول السريع إلى مراكز القرار.
وفي هذه النقطة تحديداً، تبدو الفضيحة أقلّ ارتباطاً بشخص “أبو عمر”، وأكثر التصاقاً بثقافة سياسية لبنانية ترى في الالتفاف على الأصول إنجازاً، لا فضيحة.
“أبو عمر”.. ليس الأوّل ولا الأخير!!
المختصر المفيد في هذه القصة أنّ “أبو عمر” – ما كان ولن يكون – “حالة فريدة”، بل هو نموذج عن الجشع اللبناني للوصول بأي ثمن كان. وربما الاسم الأشهر ضمن سلسلة طويلة من “أبو عمر” الوهميين الذين عاشوا بين اللبنانيين على مدى أكثر من ثلاثين عاماً.
سياسيون ورجال مال وأعمال، ومصرفيون ومستشارون بلا صفة، إضافة إلى “موفدين” بلا تكليف، جميعهم امتصّوا المال العام والخاص، وتاجروا بآمال الناس، وشاركوا في إيصال البلاد إلى الحضيض. هؤلاء لم يفرضوا أنفسهم بالقوّة، بل وُلِدوا من رحم نظام سياسي مأزوم، يبحث فيه البعض عن الهيمنة والنصب والاحتيال في ظل “غياب الدولة”، وغالباً تحت “غطاء لصوص الدولة” الذين يؤمّنون “غياباً غب الطلب للمحاسبة”، لقاء الأزرق والأخضر والذهبي!!
شماعة “العدو”.. وما خفي أعظم
في كل فضيحة من هذا النوع، يسارع البعض إلى رمي التهمة على “العدو الإسرائيلي” أو المخابرات الدولية “عربية وغربية”، وكأنّ كل اختراق أو سقوط لا بُدَّ من أنْ يكون نتيجة مؤامرة خارجية مُحكَمة. من دون استبعاد أي فرضية في بلد مفتوح على الصراعات، إلا أنّ الوقائع المتداولة في هذه القضية تشير إلى أنّ الخلل الأساسي كان داخلياً: قابلية للتصديق، شهوة للنفوذ، وغياب للحدّ الأدنى من التدقيق والمساءلة.
ولعلّ ما خفي في قصة “أبو عمر” أعظم من اسمه، وأخطر من مهنته الحقيقية، فالخطر يكمن في البيئة التي تسمح بتكرار هذه النماذج، وفي النخبة التي تقع ضحية أو شريكة، وفي شعب دفع – ولا يزال – ثمن الأوهام المتراكمة.
فضيحة “أبو عمر” ليست نهاية قصة، بل بداية سؤال: كم “أبو عمر” ما زال يتحرّك بيننا اليوم؟
وكم قراراً، وترشيحاً، وصفقة، بُنيت على وهم؟!.. وفي انتظار كشف ما تبقّى من خيوط هذه القضية، يبقى الثابت الوحيد أنّ معركة اللبنانيين الحقيقية ليست مع “أبو عمر”، بل مع الثقافة التي أنجبته.
خاص Checklebanon



