خاص – حين سخر “بشار الفار” من الدم: الحزب والخطيئة السورية!؟!

لم تكن الفيديوهات المسرّبة التي ظهر فيها بشار الأسد في لحظات استهزاء وسخرية من مقاتلي حزب الله مجرّد مادة فضائحية عابرة، بل جاءت كصدمة أخلاقية متأخّرة، فأعادت فتح جرحٍ عميق لم يلتئم منذ 13 عاماً.

هذه المشاهد لم تمسّ فقط الوعي السوري المُثقل بالدمار، بل اخترقت أيضاً وجدان “بيئة الحزب” التي قدّمت أبناءها تحت شعار “التحالف” و”الواجب المُقدّس|، لتضع الجميع أمام سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا كانت حصيلة هذا المسار كلّه؟ ولصالح من دُفعت تلك الأكلاف الباهظة؟

امتحان الضمير
منذ اندلاع الحرب السورية، شكّل تدخل حزب الله “نقطة تحوّل مفصلية” في مسار الصراع. شباب قُدِّموا إلى ساحات القتال، عائلات فُجِعَتْ، وأمهات ودّعن أبناءهن على قناعة بأنّ ما يجري دفاع عن كرامة أو عقيدة أو خطر وجودي.

غير أنّ المفارقة القاسية التي كشفتها التسريبات الأخيرة، تكمن في أنّ رأس النظام الذي قُدِّمت التضحيات دفاعاً عنه، نظر إلى هؤلاء المقاتلين بازدراء، مُستخفّاً بما اعتبروه “شرفهم” وبما سُمّي “جهادهم”. هنا لا يعود السؤال سياسياً فحسب، بل يتحوّل إلى امتحان ضمير: كيف يمكن تبرير دمٍ سُفك في سبيل مَنْ لا يقدّره، ولا يعترف بثمنه؟

“لن تُسبى زينب مرّتين”
الأرقام وحدها كفيلة بفرض “المراجعة”، فوفق تقديرات حقوقية موثّقة، سقط حتى منتصف 2024، ما يقارب من 2000 شاب شيعي لبناني “تأدلجوا” حزبياً “من أجل سوريا”، لكن السؤال الذي لم يُطرح بجديّة داخل الحزب وبيئته هو: لماذا سقطوا؟ وما النتيجة الفعلية لكل هذا النزيف؟

إذا كان الهدف حماية نظام بشار الأسد، فإنّ سقوطه وهروبه، مقروناً بسخريته الموثّقة من حلفائه، يحوّل تلك الذريعة إلى عبء أخلاقي ثقيل لا يمكن تجاهله. أما الذريعة الأخرى، أي حماية مقام السيدة زينب وشعار “لن تُسبى زينب مرّتين”، فقد سقطت بدورها أمام الوقائع، فبعد تغيّر موازين القوى في سوريا، وسيطرة “هيئة تحرير الشام” – التي اعتبرها “محور الممانعين” حين كانت تحت اسم “جبهة النصرة” الخطر الأكبر على المقام – لم يُسجّل أي اعتداء عليه، وبقي محفوظاً كما كان.

هذا الواقع يطرح سؤالاً بديهياً: هل كان كل ذلك القتال ضرورياً فعلاً؟ أم أنّ الشعار استُخدم لتبرير انخراط أعمق في حرب تجاوزت منذ زمن بعدها الديني أو الدفاعي؟

مهمّة مُقدّسة
إلى جانب ذلك، لا يمكن القفز فوق الأسئلة الثقيلة المرتبطة بالممارسات على الأرض: حصار مدن، تجويع مدنيين، اقتحام مناطق، وسقوط ضحايا سوريين على يد قوة جاءت تحت عنوان “الدفاع”. هذه الوقائع، مهما حاولت الخطابات تبريرها، تضع الحزب أمام مسؤولية لا تسقط بالتقادم، لأنّ الدم لا يُمحى بالشعارات.

ورغم كل ما سبق، ما زال الحزب يُصرُّ على توصيف دوره في سوريا بوصفه “مهمّة مُقدّسة”، ويواصل الاحتفاء بتلك المرحلة كإنجاز، في وقت تتغيّر فيه المنطقة جذرياً، وما كلام الأمين العام للحزب في خطابه قبل الأخير، إلا أكبر دليل على تعاميه عن التوازنات الإقليمية التي تشهد تحوّلاً واضحاً، مع عودة منطق حكم الأكثرية في سوريا، وانحسار المشاريع التي راهنت على القوة المسلحة كأداة نفوذ دائم.

شجاعة الاعتراف
في هذا السياق، يصبح الإصرار على إنكار الأخطاء خطراً وجودياً، لا على الحزب وحده، بل على بيئته وموقعها في المعادلة المقبلة، لذلك تبدو “المراجعة العلنية والجريئة” ليست ترفاً فكرياً ولا تنازلاً سياسياً، بل شرطاً للبقاء.

مراجعة تعترف بما جرى، وبحجم الكلفة وبالأوهام التي سقطت، وقد تشكّل مدخلاً لتخفيف الاحتقان الطائفي الذي دمّر المشرق خلال العقدين الأخيرين، فالحزب، بما يمتلكه من تاريخ في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لا يزال قادراً – إنْ أراد – على لعب دور مختلف، يفتح باب التهدئة بدل تأبيد الصراع.

السؤال الأخير، إذاً، لم يعد موجّهاً إلى الخصوم، بل إلى داخل الحزب نفسه: هل تتوافر الشجاعة للاعتراف بأنّ الطريق إلى سوريا كان خطأً فادحاً؟ وهل هناك استعداد للقيام بخطوة المراجعة قبل أن تفرضها التحوّلات القادمة بثمن أعلى؟ الزمن وحده سيجيب، لكن التأخير لم يعد في صالح أحد.


خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة