خاص – خطاب الاستقلال: هل تكفي لغة التوازن لإنقاذ السيادة…وأين أصل المشكلة؟

مرّة جديد، يؤكد الرئيس جوزاف عون أنه “رجل دولة حقيقي”، إذ في “خطاب الاستقلال” كان حاملاً لعصا الوطن من المنتصف، في مقاربة للواقع اللبناني بجدية ومسؤولية، واضعاً أمام اللبنانيين مشروعاً لإعادة بناء الدولة على أساس سيادتها ومرجعيتها الواحدة.

لم يتعامل الرئيس عون مع الاستقلال كمناسبة بروتوكولية أو ذكرى عابرة، بل كواقعٍ يومي يجب أن تستعيد من خلاله الدولة دورها الطبيعي وفق الدستور، بعيداً عن تعدّد مراكز القرار وتشتت سلطة السلاحـ ليقدّم بذلك خطاباً يستعيد معنى الدولة الحديثة بعد سنوات من الانكسارات وتداخل النفوذ الخارجي.

التوازن لا المواجهة
منذ البداية اختار فخامته خطاب التوازن لا المواجهة، فامتنع عن توجيه الاتهام المباشر لأي طرف، متحدثاً عن نهجين داخل الساحة اللبنانية: نهج يتجاهل ما يجري في المنطقة، وآخر يعتبر أن مكوناً لبنانياً كاملاً بات خارج اللعبة.

لكن هذا التوازن بحد ذاته موضع نقد، لأنّ مساواة الطرفين ليست عادلة، إذ لا يمكن وضع من يسعى لتجريم الدولة والاستقواء بالسلاح وجر البلاد إلى الحروب في موقع واحد مع من يسعى لحصر السلاح بيد الدولة وتمكين مؤسساتها.

أي ضمان للالتزام؟!
هذا التوازن قد يجعله خطاباً غير حاسم رغم واقعيته، ويفقد الرسالة شيئاً من قوتها تجاه أصل المشكلة، ومع ذلك، شدّد الرئيس على أن الدولة يجب أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح وقرار الحرب والسلم، وهو موقف ثابت كرره في مناسبات سابقة.

لكن السؤال يبقى: هل يملك ضمانة من أنّ حزب الله سيلتزم بذلك؟ أم أنّ الخطاب موجّه لإظهار نية إصلاحية أمام المجتمع الدولي من دون ضمانات حقيقية من الطرف المسلح؟ المجتمع الدولي رحّب بنبرة الرئيس، خصوصاً أنه يتحدث عن الحوار لا الفرض بالقوة، لكنه ينتظر خطوات ملموسة تثبت قدرة الدولة على الإمساك بالقرار.

مسار فعلي بوجه السلاح!!
في الداخل يحاول عون استمالة قاعدة سياسية واسعة، بما فيها جمهور الحزب نفسه، بلغة غير إلغائية تقول إن الجميع جزء من الدولة، لكنه في المقابل يرسل رسالة واضحة للسياديين بأن الدولة لن تستعيد نفسها ما لم يصبح سلاحها هو السلاح الشرعي الوحيد.

غير أن قدرة الرئيس على تحويل هذا المبدأ إلى واقع تصطدم بقوة الحزب العسكرية التي لا يبدو أنه سيتخلى عنها من دون ترتيبات وضمانات كبرى. كما أن أي تأخير في التنفيذ قد يبقي الدولة تحت تهديد التصعيد الخارجي، لأن إبقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة قد يجعل البنية العسكرية للحزب هدفاً مباشراً لأي حرب مقبلة، ما يعرّض لبنان كله للخطر.

في النتيجة، يقدم عون خطاباً يحاول إطلاق مسار استقلال فعلي لا رمزي، يضع المؤسسة العسكرية في قلب مشروع الدولة، ويسعى لإعادة إنتاج سلطة لبنانية واحدة قادرة على اتخاذ القرار. لكنه يبقى خطاباً محكوماً بقدرته على الانتقال من مستوى إعلان النوايا إلى التطبيق الحقيقي، وإلا ستبقى الدولة مقيدة بين فريق يمتلك القوة ولا يريد التنازل عنها، وفريق يؤمن بالدولة لكن لا يمتلك القدرة لفرض خيارها، وهنا مكمن التحدي في المرحلة المقبلة.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة