خاص – عشية الاستقلال.. السيادة اللبنانيّة مُعلّقة بين “دولار” واشنطن و”ذخيرة” طهران!!

منذ مئة عام، ولبنان يتقلّب بين راعٍ ووصيّ، كأنّه قاصر لا يملك أهليّة البقاء وحيداً في هذا الشرق العاصف. مرّةً تُرفع راية “الممانعة” لتبرير الهيمنة الإيرانية، ومرّةً تُرفع راية “الإصلاح” لتغطية الوصاية الأميركية. وبين الرايتين، يضيع الوطن، وتُدفن فكرة الدولة تحت ركام الشعارات.
أما ونحن على مسافة أيام قليلة من الاحتفاء بالذكرى الـ82 للاستقلال اللبناني، المولود أصلاً على يد “قابلة الانتداب الفرنسي”، فإن هذا البلد الصغير بحجمه الكبير بأزماته، لم يعرف يوماً استقلالاً حقيقيّاً، بل أشكالاً مُتبدّلة من التبعية، تُدار فيها السيادة بالوكالة، وتُرسم قراراته على مسافاتٍ أبعد من حدوده.
اليوم، ومع تراجع النفوذ الإيراني بعد تآكل قوة حزب الله، تتقدّم واشنطن إلى الساحة تحت شعار “إعادة بناء الدولة” وذريعة “حصرية السلاح”، لكن ما يبدو إصلاحاً وطنيّاً في الظاهر، يبدو في جوهره “إعادة تموضع للنفوذ الأمريكي”، لا مشروعاً للسيادة؛ فالمساعدات العسكرية الأميركية تُقدَّم مشروطة، والجيش يُعاد تشكيله ليكون ضابطاً للداخل لا حامياً للحدود، فيما التفوّق العسكري النوعي لإسرائيل يبقى خطّاً أحمر لا يُمسّ. وهكذا يُعاد إنتاج الوصاية بلغة أكثر نعومة، لكن الجوهر واحد: لبنان تابع ذليل!!
في هذا المشهد، تصبح “استعادة السيادة” مجرّد فلكلور سياسي، فالدولة التي لا تمتلك قرار الحرب والسلم، ولا تتحكّم بحدودها أو سمائها، ليست دولة، بل إدارة مقيّدة بالتمويل الخارجي. والطبقة الحاكمة، التي تتقن فنّ تبادل الولاءات، تتعامل مع الوطن كرهينة تفاوض لا كقضية بقاء، فالحزب يحمي وصايته بالسلاح، والسلطة تحمي فسادها بالدعم الدولي، والشعب محشور بين طرفين لا يشبهانه: طهران التي تصادر إرادته، وواشنطن التي تشتري صمته بالدولار.
السيادة الحقيقية لا تتحقّق من خلال الاستعانة بـ”الأجنبي الطامع”، ولا تُقاس بـ”حجم المعونة”، بل بقدرة الدولة على فرض إرادتها داخل حدودها. لبنان لن يُشفى من علّته المزمنة إلا إذا كفّ عن استبدال وصايةٍ بأخرى، وعن خوض حروب الآخرين على أرضه. فكلّ ما عدا ذلك، ليس استقلالاً، بل إدارة جديدة لسيادةٍ معلّقة منذ مئة عام.

خاص Checklebanon



