خاص – بين وهم القوّة وواقع التحوّلات وحالات الإنكار:”الحزب” إلى أين يجرّ لبنان؟!

في خضمّ التحوّلات الإقليمية المتسارعة وانشغال العالم بإعادة رسم خرائط النفوذ والاقتصاد بعد سنوات من الصراع، تبرز أسئلة ملحّة عن الواقع اللبناني: ما الذي يريده حزب الله اليوم؟.. وإلى أين يجرّ البلد في ظلّ هذا الانفصام عن الواقع الإقليمي والعالمي؟.. وكيف يمكن لحزبٍ يعيش داخل دولةٍ مُنهكة أن يواصل لغة الحرب وكأن شيئًا لم يتغيّر من حوله؟!!

يبدو أن الحزب ما زال أسير منطق “المواجهة الوجودية”، وهو المنطق الذي يحكم خطابه في كل مناسبة تقريباً. فكل كلمةٍ تُقال من قياداته تدور حول مزاعم “استعادة القوة والقدرة”، وكأنّ الحزب قد فقد جزءاً من ذاته، ويسعى اليوم لإثبات أنّه لا يزال “قادراً على الردّ”، ولم يتراجع أبداً!!

لكن المفارقة أنّ هذا الخطاب يأتي في وقتٍ تمرّر إسرائيل يوميات اللبنانيين على وزن المراحل التي سبقت “عدوان البيجر”: تعبئةٌ إعلامية، استعراضٌ استخباراتي، وتصريحاتٌ متكرّرة عن اغتيالاتٍ وتدريباتٍ ومناورات. ومع ذلك، فإنّ المشهد لا يشي بحربٍ وشيكة بقدر ما يعكس سباقاً في الحرب النفسية والإعلامية.

انسلاخ عن الواقع
من جهته، يُقدَّم حزب الله نفسه وكأنه استعاد 70% من قوّته السابقة – بل أكثر – حيث تتباهى زعاماته السياسية وعلى رأسهم أمينه العام الجديد نعيم قاسم، بأنّ الأمور عادت إلى ما قبل أي استهدافٍ أو حصار، وكأنّ الإمداد عبر سوريا لم يتأثّر، أو أن إيران لا تواجه أصلاً ضغوطًا هائلة في الداخل والخارج، غير أن الواقع الميداني والسياسي لا يؤيّد هذه الصورة، فالممرات اللوجستية مقيدة، والتمويل محدود، والبيئة اللبنانية لم تعد كما كانت؛ إنها بيئة متعبة، غاضبة، تبحث عن الخبز قبل البندقية.

ومع ذلك، يواصل الحزب الخطاب ذاته: التحدّي، الاستعداد، والوعيد. وكأنّه يطلب الحرب بوعيٍ أو من دون وعي. فمَنْ يسمع التصريحات والخطابات الأخيرة لـ قاسم وحاشيته، يشعر بأنّ الحزب لم يعد يرى لنفسه دوراً إلا في ساحات المواجهة، وأنّ وجوده يرتبط بالسلاح والاشتباك لا بالسياسة أو التنمية أو حماية الدولة. إنّه حزبٌ لا يستطيع أنْ يعيش في السلم، لأنّ السلم يفضح فائض سلاحه، ويُسقط مبرّر وجوده.

ما بعد الخسارة
الأخطر من ذلك، أنّ الحزب يتصرّف وكأنّه لا يملك ما يخسره، على عكس اللبنانيين الذين يخسرون كل يومٍ قوتهم وأمنهم وكرامتهم. فيما الناس ينتظرون رزقهم على الطرقات ويعافرون بالكد والتعب والعرق ويخشون الغد الأسود، يعيش الحزب بمنطق “ما بعد الخسارة”، لأنّه يدرك أنّ أي حربٍ جديدة، مهما كانت نتائجها، ستتبعها موجة إعادة إعمارٍ تموّلها الدول التي يهاجمها اليوم.

إنّه مشهد مأساوي يتكرّر: حزبٌ يرفع شعارات عن “الكرامة والمقاومة”، بينما يجرّ شعبه نحو جولةٍ جديدةٍ من الألم، متجاهلاً أن العالم تغيّر، وأنّ لغة الرصاص لم تعد تُقنع أحدًا في زمن المفاوضات والتحوّلات الكبرى. فهل يدرك الحزب أنّ فائض الخطاب لا يصنع توازناً؟، وهل يعي أن القوّة الحقيقية اليوم ليست في استعراض الصواريخ، بل في بناء الدولة وإنقاذ الناس؟، أم أنّه ما زال يعيش في زمنٍ مضى، حيث الحرب وسيلة البقاء الوحيدة؟


خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة