خاص شدة قلم: إنها لحظة اختبار عالمية: همجية الصهاينة تحتاج ردّاً عملياً لا مجاملات و بلاغات خجولة!

رسم الأسبوع الماضي مشهداً عالمياً قاتماً: احتلال يجرّح غزّة بسياسة الأرض المحروقة، ويكسر الأعراف عبر توسيع دوائر اعتدائه لتصل إلى عاصمةٍ خليجية مفترَضة الحياد؛ فالهمجية الإسرائيلية في غزة تتجاوز صفة العمليات العسكرية إلى مستوى منهجي من التدمير المتعمد، استهداف للمواطن العادي، وللمدنيّات التي تبني الحياة.
ما زاد الطين بلّة هو ذلك الركون الغربي المشوّه: إداناتٍ متقطعة تُعلَن على المنابر، وقرار دعمٍ فعلي يبقى محفوظاً في الجيوب، بينما السياسة الواقعية تُمنح لإسرائيل مبرّرات توسعية تحت ذريعة الأمن. هذا الاستغباء السياسي – إذ كيف تُدّعي واشنطن والغرب الحياد المتألم وفي الوقت نفسه تُغدقان السلاح والدعم السياسي؟ – لم يعد مقبولاً، ويشي بتواطؤ أخلاقي يُشجّع تفاقم المجازر لا ردعها.
القمم العربية والاختبار الحقيقي
لكنّ الردّ المهمّ يجب أن يبدأ من المنطقة نفسها. القمم العربية والاجتماعات الإقليمية لا تحتاج مزيداً من بيانات الشجب المكررة – بل تحتاج إلى قرارات عملية وفورية تُبيّن أن الإجرام ليس مُربحاً ولا مُستمراً بلا ثمن. وما نعنيه ليس دعواتٌ عاطفية، بل إجراءات ملموسة وقابلة للتطبيق فوراً:
– إعلان موقفٍ عربي موحّد يقوم على إجراءات اقتصادية ودبلوماسية قابلة للتنفيذ: استدعاء السفراء، قطع أو تعليق العلاقات الدبلوماسية مع جهات مشاركة أو متهاونة، ووقف جميع اتفاقيات التعاون التي تمكّن الصفقات العسكرية أو اللوجستية.
– فرض حظر تصدير سلاح فوري إلى جهات تستخدمه لارتكاب انتهاكات جسيمة، وتنسيق مع دول وشركات عالمية لوقف صادرات ذات صلة.
– استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والاستراتيجي: تجميد اتفاقيات تجارية، مراجعة أو تعليق مشروعات مشتركة في الطاقة أو النقل، واستكشاف تدابير مقابلة بحق حلفاء من يثبت دعمهم المطلق للعدوان.
– اتخاذ مسارات قانونية فورية: رفع ملفات ميدانية موثّقة أمام مؤسسات دولية (الأمم المتحدة، محكمة الجنايات الدولية) مع توفير أدلة معترف بها لتسريع المساءلة.
– فتح ممرات إنسانية محمية فوراً تحت رعاية دولية وإقليمية، وضمان وصول مساعدات عاجلة مع وجود مراقبة دولية لوقف تحويل المعونات أو تعطيلها.
– توحيد موقف عربي ــ خليجي يعرقل أي محاولات لاستغلال الانقسام لتعزيز الإفلات من العقاب، ويُعيد للدبلوماسية العربية دورها الفاعل عبر تحالفات أوسع (إفريقية، آسيوية، ودول عدم الانحياز).
– في حالة قطر: تحويل أي هجوم على وسيط عن عمد إلى سابقة دبلوماسية تستدعي إجراءات أمنية وإقليمية لحماية أي دولة تقوم بدور الوساطة، بما يمنع تحول الدبلوماسية إلى هدف.
استراتيجيات الردع ضرورية
المعنى الأكبر هنا أن الصمت والبلاغات الخجولة لم يعودا خيارين؛ إنهما وقود للانتهاك. الدول العربية والهيئات الإقليمية قادرة على خلق ضغطٍ فعّال إن توحدت إرادتها، ورافقت مواقفها السياسية بخطوات اقتصادية وقانونية وعسكرية – لوجستية مدروسة لا تسمح للاعتداء بأن يتعامل مع السيادة كقماش يُقصّ.
نحن أمام لحظة اختبار عالمية. إما أن تُترجم الإدانات إلى أفعال تقطع شريان الإفلات من العقاب، فتردع الهمجية وتُعيد بعضاً من هيبة القانون الدولي، أو نكون قد دخلنا حقبةٍ يكتب فيها الأقوى قواعده بنفسه، ويتحول العالم إلى فوضى موزعة على جبهات متعددة. الخيار بين حفظ الحياة والقيم أو الاستسلام لطقوس القوة بيد الدول؛ والأجيال القادمة ستحاسب المواقف، لا التصريحات.

مصطفى شريف – مدير التحرير



