خاص شدة قلم : البلد على كفّ عفريت: “تسوية رمادية” أم مواجهة شاملة!؟
بين خطة الجيش وحسابات المحاور
يترقب العالم جلسة الحكومة اللبنانية المفصلية المُقرّرة اليوم الجمعة، حيث سيناقش مجلس الوزراء الخطة التي أعدّها الجيش اللبناني لحصر السلاح بيد الدولة، في خطوة قد تشكّل إما بداية مسار تاريخي لاستعادة السيادة، أو مجرّد محطة جديدة في مسلسل الأزمات المفتوحة.
خلفية المشهد
تكليف الحكومة للجيش في جلسة 5 آب الماضي لم يأتِ من فراغ، فالحرب المُدمِّرة مع إسرائيل خلال العام المنصرم، خلّفت خسائر بشرية ومادية هائلة، وأبرزت عجز المنظومة السياسية عن ضبط السلاح المنفلت من سلطة الدولة، لكن ما يضاعف خطورة الجلسة هو أنّها تأتي في ظل واقع إقليمي متفجّر: إسرائيل تواصل ضرباتها الاستباقية داخل الأراضي اللبنانية، موجّهة رسائل مزدوجة إلى الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي، لاسيما بعد الاعتداء الذي طال “اليونيفل”.
في المقابل، واشنطن وحلفاؤها يضغطون لتسريع تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله، واضعين على الطاولة معادلة واضحة: تمويل إعادة الإعمار ودعم الجيش مقابل خطوات ملموسة لتقويض نفوذ الحزب.
مواقف الداخل
في ظل هذه المعمعة، يسعى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى تسوية تحفظ ماء وجه الجميع، وتُجنّب البلاد انفجاراً داخلياً، عبر إقرار الخطة كمبدأ عام دون تحديد جدول زمني صارم.
بينما “الثنائي الشيعي” يتوجس من أي قرار قد يُقرأ على أنّه استسلام لإملاءات الخارج، لكنه في الوقت عينه لا يريد الظهور بمظهر المُعرقِل أو المتمرّد على الدولة، خصوصاً بعد التراجع العسكري والسياسي الذي أصاب الحزب عقب الحرب الأخيرة واغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله.
على المقلب الآخر، تقف المعارضة الشيعية والتيارات الموالية للمحور الأميركي التي تعتبر أنّ “زمن السلاح انتهى”، وأنّ التكنولوجيا الإسرائيلية والأميركية أثبتت قدرتها على تحييد أي قوة عسكرية تقليدية، وبالتالي فإن استمرار ترسانة حزب الله لم يعد سوى عبء داخلي.
ليبقى “الجيش اللبناني” وحيداً في وجه العاصفة، ويتحرّك بين مطرقة الخارج وسندان الداخل، محاولاً صياغة خطة قابلة للتطبيق وتراعي التوازنات السياسية، وتُظهر الدولة بمظهر الممسك بالقرار السيادي، ولو تدريجياً، وتُنقذ البلد من الغرق في الرمال المتحركة نحو الأسوأ.
الحسابات الإقليمية والدولية
إسرائيل ترسل إشارات مزدوجة، كالاستعداد للتخفيف من وجودها العسكري جنوباً، إذا بدأت بيروت بتنفيذ الخطة، رغم أنّ توسّع انتشارها في المواقع المحتلة من 5 إلى 9 لا يوحي بالخير، ناهيك عن استمرارها في سياسة “الضربات الاستباقية” طالما السلاح غير مضبوط.
بينما واشنطن تنسّق مع الأوروبيين وبعض العرب لربط أي دعم مالي للبنان بمدى التزام الحكومة بتنفيذ مسار نزع السلاح.
أما إيران فتعتبر أنّ أي مساس بسلاح حزب الله يهدد نفوذها الاستراتيجي في المشرق، ما يجعلها أقرب إلى دفع الحزب للتشدّد في المفاوضات.
بين النجاة والصلب
الجلسة المُقبلة قد تنتهي بـ”تسوية رمادية” على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”، فيتجاوز البلد قطوع حصر السلاح من خلال إقرار الخطة من حيث المبدأ، مع تعليق التنفيذ مع حوار وطني واسع، وترك مسألة الجداول الزمنية مفتوحة، وبذلك يربح الجيش ورقة شرعية داخلية، وتُظهر الحكومة تجاوباً مع الضغوط الدولية، فيما يتفادى حزب الله أي كسر مباشر.
لكن الخطر قائم: إذا اعتُبِرَتْ الخطوة مجرد محاولة شكلية لإرضاء الخارج، فقد يتصاعد الضغط الأميركي والإسرائيلي إلى مستويات أكبر، تضع لبنان أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة شاملة تُدخل البلاد في نفق أسود، أو قبول تدريجي بانتزاع القرار السيادي من يد الحزب.

مصطفى شريف – مدير التحرير



