خاص شدة قلم: الهوية بين الذاكرة والمستقبل: قراءة في الإشكالية اللبنانية!

ليست الهوية مفهوماً بسيطاً يمكن اختزاله بكلمة أو وضع تعريف جامد له، بل هي بناء مُتشعّب ومُعقّد يضم في داخله مستويات متداخلة من التاريخ والثقافة والسياسة والوجدان الجمعي؛ فهي من جهة تعبير عن ذاكرة جماعية تعود إلى الماضي، تحمل معها إرث التجارب والأحداث والرموز التي صاغت وعي الجماعة، أما من جهة أخرى فهي مشروع سياسي – ثقافي يتجه نحو المستقبل، يرسم صورة المجتمع الذي نريد أن نكونه والأفق الذي نتطلع إليه. وبين الماضي والمستقبل، تعيش الهوية حالة شدّ دائم تجعلها قابلة للتأويل وإعادة التشكيل باستمرار.
المجتمعات التي تُبنى هويتها على ذاكرة متنازع عليها، أو على قراءة انتقائية للتاريخ، غالباً ما تدخل في أسر صراعات لا تنتهي، فكل رواية تاريخية تصبح سلاحاً في معركة الشرعية والاعتراف، بينما المجتمعات التي تستند إلى رؤية مستقبلية جامعة، قادرة على تحويل تنوّعها إلى مصدر قوة، تنجح في بناء تماسك داخلي وصلابة مؤسساتية. والتجارب العالمية كثيرة: من أوروبا التي حوّلت جراح الحروب إلى اتحاد سياسي – اقتصادي، إلى دول شرق آسيا التي تجاوزت استعمارها وأزماتها الداخلية لبناء نهضتها الحديثة. أما في لبنان فتتجلّى هذه الإشكالية بأوضح صورها، لأنّ التاريخ ليس مجرّد سردية وطنية واحدة، بل فسيفساء من الروايات الطائفية والمناطقية حيث تسيطر الزعامات والانتماء إليها وليس إلى الوطن!!
هويات جزئية
كل طائفة تستحضر روايتها الخاصة عن الماضي لتثبيت شرعيتها ومكانتها في الحاضر، وتبرير موقعها في المعادلة السياسية. النتيجة هي لوحة متشابكة من الهويات الجزئية التي تتقاطع أحياناً في لحظات التضامن، لكنها تتعارض في معظم الأحيان عند أول اختبار سياسي أو أمني. هذا التنازع على التاريخ يجعل من الهوية ساحة صراع دائمة، بدلاً من أن تكون أرضية مشتركة تؤسّس لشعور جامع بالانتماء.
من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن تحويل التاريخ من عبء إلى رافعة؟.. الجواب لا يكون بالإنكار أو بالمحو، بل بالاعتراف أولاً بتعددية الذاكرة اللبنانية، وبالقدرة على التعايش مع هذا التعدد بوصفه حقيقة لا يمكن تجاوزها. وثانياً، ببناء مشروع سياسي – اجتماعي يتجاوز ثنائية الماضي والمظلومية، ليؤسس لمستقبل مشترك يقوم على المواطنة، لا على الطائفة، وعلى سيادة القانون لا على منطق الغلبة.
هذا المشروع يمكن أنْ يتجسّد في صياغة عقد اجتماعي جديد، يضع الأسس لاقتصاد منتج ومؤسسات شفافة ونظام سياسي يساوي بين المواطنين. في هذه المقاربة، تصبح الهوية مشروعاً مستقبلياً أكثر منها ميراثاً ثقيلاً، فالماضي يأخذ مكانه الطبيعي كمصدرٍ للتجربة والعبرة، لا مصدراً دائماً للانقسام. وتتحوّل الهوية من “حلبة تناحر” إلى “فضاء إبداعي” يفتح المجال أمام اللبنانيين لإعادة تعريف أنفسهم كأمة حديثة، تستثمر غناها الثقافي والتاريخي بدل أن تتحول ضحيته.
نحو دولة – أُمّة!!
وهنا تتضح وظيفة الهوية كجسر نحو دولة – أمة حقيقية، قادرة على استيعاب التنوع من دون أن تقع فريسة التشرذم، وإذا كان الماضي ضرورياً لفهم الحاضر، فإن المستقبل هو الذي يمنح الحاضر معناه واتجاهه، لذلك، فإنّ النقاش حول الهوية في لبنان، كما في المجتمعات العربية عامة، لا يجب أن يظل أسير استعادة صراعات الأمس، بل ينبغي أن يتحوّل إلى نقاش حول كيفية تحويل الذاكرة إلى طاقة دافعة نحو التقدّم، وكيفية بناء خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسامات، وهذا يتطلّب قيادة سياسية تمتلك الشجاعة، وقيادة فكرية وثقافية قادرة على صياغة رؤية مشتركة، تحوّل التاريخ من عنصر انقسام إلى جسر يعبر به اللبنانيون نحو مشروع وطني جديد.
في النهاية، الهوية ليست فقط ما ورثناه عن أجدادنا، بل أيضاً ما نصنعه اليوم معاً لأبنائنا. إنها ليست حصيلة ماضٍ مغلق، بل عملية مفتوحة على المستقبل. وبقدر ما ننجح في إعادة توظيف ذاكرتنا التاريخية لبناء وطن يتسع للجميع، بقدر ما نكون قد وضعنا الأساس لهوية جامعة قادرة على الصمود أمام أزمات الداخل وتحولات الخارج.

مصطفى شريف – مدير التحرير



