خاص: “ضربة” القاضي شعيتو: المصارف أمام استحقاق تاريخي!

في خطوة حاسمة على مسار الأزمة المالية في لبنان، قرّر المدعي العام المالي القاضي ماهر شعيتو منح أصحاب المصارف مهلة شهرين، لإعادة الأموال التي تمَّ تحويلها إلى الخارج، بعد انهيار القطاع المصرفي في نهاية 2019.

هذه المبادرة أثارت جدلاً واسعاً: هل هي مجرد خطوة قانونية لمحاسبة المخالفين، أم أنّها “تحرّك شعبوي” يهدف إلى استقطاب الرأي العام وبث شعور بالأمان؟..

بغض النظر عن التقييم، تشكّل المبادرة اختباراً حقيقياً لاستقلالية القضاء وقدرته على مواجهة قوى اقتصادية وسياسية نافذة، في وقت يئن فيه النظام المالي تحت وطأة فقدان الثقة والتراجع الحاد في السيولة.

محاولة لتصحيح الخلل البنيوي
القطاع المصرفي اللبناني، الذي لطالما اعتُبر “قلب الاقتصاد”، فقد خلال السنوات الماضية ما تبقّى من مصداقيته. فالأموال التي هرّبها كبار المساهمين وأصحاب المصارف إلى الخارج، في الوقت الذي كان فيه صغار المودعين عاجزين عن سحب مدّخراتهم، شكّلت جرحاً عميقاً في العلاقة بين المصارف والمجتمع.

خطوة شعيتو تأتي هنا كرسالة واضحة: إعادة التوازن بين العدالة المالية ومصالح المودعين، وكسر الحلقة المفرغة من الإفلات من المحاسبة.

موازين القوى وحسابات النفوذ
لكن البعد السياسي لهذه الخطوة لا يقل أهمية. فالمصارف ليست مجرّد مؤسسات مالية، بل هي لاعب سياسي بامتياز يرتبط بشبكات نفوذ داخل السلطة وخارجها. محاسبتها تعني تلقائياً الدخول في مواجهة مع مراكز قوى طالما حمَت هذه المنظومة. وبالتالي، فإنّ نجاح أو فشل هذه المبادرة سيشكّل اختباراً جدّياً لقدرة القضاء على العمل باستقلالية، بعيداً عن الضغوط السياسية التي كثيراً ما فرملت محاولات الإصلاح.

جدل حول “الشعبوية”
بعض المراقبين وصفوا خطوة شعيتو بالشعبوية، معتبرين أنها قد تهدف إلى استقطاب الرأي العام وإرسال رسالة طمأنة للمودعين في لحظة حرجة. لكن التحليل الموضوعي يشير إلى أن المبادرة، رغم رمزيّتها العالية، تحمل آثاراً عملية ملموسة: فهي تضع المصارف أمام التزام قانوني محدد بالمهلة، وتطرح تساؤلات جدية حول الإفلات من المحاسبة. إذا نجحت في إعادة جزء من الأموال، فإنها ستتحول إلى خطوة إصلاحية حقيقية، أما إذا فشلت أو استُغلّت لأهداف سياسية ضيقة، فستُفقد مصداقيتها سريعاً.

هنا لبنان حكاية "تهريب" الأموال للخارج

بين انهيار الثقة وفرصة الإصلاح
لبنان يعيش أزمة ثلاثية الأبعاد: مالية – اقتصادية – اجتماعية. في ظل هذا الواقع، تأتي مبادرة شعيتو لتطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن استعادة الثقة بالنظام المصرفي من دون خطوات عملية على هذا المستوى؟

المهلة الزمنية التي حدّدها القاضي، ولو بدت قصيرة نسبياً أمام حجم التحويلات الهائل، تحمل رمزية سياسية قوية. فهي تضع المصارف أمام استحقاق تاريخي: إمّا التعاون لإعادة جزء من الأموال وحماية ما تبقّى من النظام، أو التمادي في الإنكار بما يسرّع انهيار ما تبقّى من ركائز الاقتصاد.

البُعد المقارن: تجارب دولية
ما يعيشه لبنان ليس استثناءً في التاريخ المالي العالمي، ومنها تجربتان على سبيل المثال:

(1) قبرص 2013: بعد أزمة المصارف، فرضت الحكومة إجراءات قاسية عُرفت بـ”قص الشعر” على الودائع الكبيرة، وأجبرت المساهمين على المساهمة في إنقاذ القطاع. ورغم الألم الشعبي، شكّلت هذه الخطوة بداية مسار إصلاحي أعاد جزءاً من الثقة.

(2) الأرجنتين 2001: لجأت الدولة إلى تجميد الودائع (Corralito) وسط غضب شعبي عارم. لكن بمرور الوقت، ومع إصلاحات تدريجية ومحاسبة نسبية، تمكّنت الأرجنتين من العودة إلى الأسواق المالية، ولو بتكلفة اجتماعية هائلة.

ما يميّز الوضع اللبناني أنّه يجمع عناصر الأزمتين معاً: إفلاس مصرفي مقنّع، وغياب خطط إصلاحية واضحة. لذلك، فإنّ خطوة شعيتو، وإن بدت قانونية بحتة، تحمل في طياتها إمكان التحوّل إلى مسار إصلاحي شبيه بما شهدته دول أخرى إذا ما وُجدت الإرادة السياسية.

بين الرمزية والفعالية
قد يُقال إنّ المبادرة ستصطدم بعقبات قانونية داخلية وخارجية، أو أنّ المصارف ستلجأ إلى أساليب التفاف للتهرّب من الالتزام. لكن مجرّد طرح الموضوع رسمياً، وبقوة القانون، يشكّل سابقة يمكن البناء عليها مستقبلاً. فالتجارب الدولية أثبتت أنّ محاسبة النخب المالية ليست مستحيلة، بل هي الخطوة الأولى لإعادة ترميم العقد الاجتماعي الممزّق.

خطوة القاضي ماهر شعيتو قد لا تكون الحل السحري لأزمة لبنان المعقّدة، لكنها بالتأكيد فتحت ثغرة في جدار الصمت واللامحاسبة. وإذا ما ترافقت مع إرادة سياسية فعلية وإصلاحات جذرية، فإنّها قد تتحوّل إلى نقطة تحوّل على طريق استعادة الثقة، ليس فقط بالقطاع المصرفي، بل بالدولة نفسها.

تفاعل واسع.. من هو القاضي ماهر شعيتو المدعي العام المالي الجديد في لبنان؟ -  المشهد

خاص Checklebanon

——————

قرار القاضي:

أفادت مندوبة الوكالة الوطنية للاعلام أن النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو أصدر قراراً، “بناءً على تحقيقات جارية، كلّف بموجبه الأشخاص الطبيعيين والمعنويين ومنهم مصرفيون بإيداع مبالغ في مصارف لبنانية تساوي المبالغ التي قاموا بتحويلها الى الخارج خلال الأزمة المصرفية والمالية التي مرّت بها البلاد وبذات نوع العملة، بهدف إعادة إدخالها في النظام المصرفي اللبناني وذلك خلال مهلة شهرين، بإشراف النيابة العامة المالية ووفقاً للشروط التي تضعها”.

مقالات ذات صلة