خاص: هل يستحق رحيل زياد الرحباني كل هذا “الصمتٍ السوري المدوّي؟!!

كأنّ الصمت كان أكثر بلاغة من الكلمات، فبينما احتشد آلاف اللبنانيين في شارع الحمراء لوداع زياد الرحباني، وبينما أمَّ بكفيا المئات من المشاهير والجماهير، فإنّ الحضور السوري، لا الشعبي فحسب، بل النخبوي والفنّي والثقافي أيضاً كان غيابه مدوّياً.
غيابٌ بدا متعمّداً، أو على الأقل غير مبالٍ، وربما موجّهاً، فلم يُسجّل أي حضور نقابي سوري او فردي، في حين أنّ دولة قطر – البعيدة جغرافياً والمختلفة سياسياً – أرسلت طائرة خاصة للعزّاء، لتقول ما لم يقله سائر العرب، أو تجاهله مَنْ هم “الأقربون أولى بالوفاء”.
لعلّ السؤال الأكثر إلحاحاً ليس عن الدولة السورية، التي “لم يُعرف عنها تكريماً للأحياء، فكيف بالأموات إذا لم يكونوا من ركائز البروباغندا”، بل عن أهل الفن والثقافة السوريين، أولئك الذين مجّدوا في زياد موسيقياً مُتفرّداً، ومسرحيّاً ساخراً، وصاحب موقف – حتى لو كان مغايراً – يستحق الاحترام.
فهل من المقبول أنْ تغيب “دمشق الوعي والإدراك والتنوير” عن جنازة زياد الرحباني؟!، حتى مَنْ هم في المنفى، والذين يكرهون النظام السابق (أو الحالي) – كما تقلّب زياد في فترات حياته ما بين كره وتأييد، حتى صافحه ودافع عنه أخيراً – فلماذا لم نسمع منهم بياناً، ولا حتى تأبيناً رمزياً؟، هل تحوّل الخلاف السياسي إلى عذرٍ لإلغاء الإرث الفنّي؟، أم إنّ زياد دفع ثمن موقفه الرمادي ثم المتمادي من الثورة السورية، ذلك الموقف الذي انزلق من الانتقاد إلى الدفاع، ثم إلى الانحياز غير الموارب للنظام؟!
من جهة، يمكن تفهّم وجع السوريين الذين رأوا في زياد صوتاً آخر للظالمين، بعدما كان لسنوات صوت المقهورين. كثيرون يرون أنّه برّر القتل بصمتٍ أو بكلماتٍ قاسية، واتّخذ من عدائه لأميركا وإسرائيل ذريعة لتبرير مجازر البراميل، فابتعد عن ضمير الشارع السوري.
لكن في المقابل، هل يعني هذا أن نلغي أثره الفنّي؟ أو نمحو ذاكرة العروض الساخرة، والتوزيعات الموسيقية الثائرة، والمواقف السياسية التي شكّلت وجدان أجيالٍ من السوريين واللبنانيين والعرب؟، وهل تكون الثورة أقوى إنْ هي أسقطت رموزاً ثقافية لأنّها خذلتها، أم أضعف حين تنكر كلّ ما هو مختلف؟!
في النهاية، قد لا يُلام المواطن السوري العادي إذا ما قرأ خبر وفاة زياد وقال: “فليسقط من صمت عن موتنا”، لكن المثقف لا يُنتظر منه أن يشتم أو يسامح، بل أن يكتب، ويشهد، ويضع السياق، ويعلن الموقف الأخلاقي دون أن يُقصي الفنّ. زياد لم يكن ملاكاً، ولم يكن شهيداً، لكنه كان مدماكاً أساسياً في وجداننا الجماعي، وغيابه يستحق أكثر من صمتٍ بارد، ولو من باب الإنصاف لا المصالحة.

خاص Checklebanon



