خاص شدة قلم: الرصاصة لا تبتسم بل تقتل: إلى متى ستبقى التهاني تُطلق من فوهات البنادق والمسدسات؟!!!

إلى متى سيبقى الفرح في لبنان يُقاس بموازين الضجيج؟ّ.. إلى متى ستبقى التهاني تُطلق من فوهات البنادق والمسدسات؟!.. وإلى متى ستستمر الاحتفالات رهينة التحوّل في “لحظة تخلٍّ”.. إلى كارثة ومسارح دم بدل الدبكة والعويل يستوطن فراغ الصوت بدل الزغاريد؟!
قبل أيام ودّعنا “العبقري العملاق” زياد الرحباني.. فلم نسمع طلقة رصاص ولا حتى مُفرقعات أزعجت الناس أو آذت نفوسهم.. بل كان الوداع راقياً وعظيماً بحجم المُصاب الجلل.. وحجم الفقيد الكبير الذي غادرنا على عجل..
لكن أمس الأوّل كان المشهد مُختلفاً مع نتائج شهادة البكالوريا الفنية.. حيث ارتقى طالب في ريعان الشباب فتحوّل الاحتفال بنجاحة إلى مأتم دموي.. بعدما غدرته رصاصة طائشة خلال الاحتفال.. وأُصيب صديق له أيضاً.. فماذا يمكن أن نقول أمام المشهدين؟!
رصاص “الفرح” ذاك العابث القاتل.. والعابر لـ الأعراس ونتائج الامتحانات وحتى خطابات الزعماء أو تشييع أحدهم.. فيعلو فوق الرؤوس لا يُميّز بين دين أو طائفة.. من منطقة أو محلّة.. بين كبير أو صغير.. بل يختار ضحاياه الذين تواجدوا في المكان الخطأ بالزمن اللبناني الخطأ.
طفلة كانت تلهو على شرفة منزلها في حي شعبي بطرابلس.. لم تكن تعلم أن الطلقة التي اخترقت صدرها هي تهنئةٌ لجارٍ تخرج من الجامعة.. شاب في البقاع قضى لحظاته الأخيرة مغموراً بالدماء.. بعدما أصابته رصاصة طائشة في الرأس.. خلال إطلاق نار احتفالي بنجاحه في الامتحانات الرسمية.. احتفلوا به وقتلوه!!
أما تلك العروس في الجنوب فزُفّت في كفن أبيض لا في فستان الزفاف.. بعدما أصابتها رصاصة في صدرها خلال احتفال أقاربهما بزفافها.. ماتت العروس، وبقيت الذكرى وصمة عار على جبين من أطلق النار باسم الفرح.. ولا شيء أكثر بؤساً من أنْ تموت على يد قريب يحتفل بك.. وأن تودّع الحياة في لحظة كان يُفترض أن تبدأ فيها حياتك.
ما الذي يدفع الإنسان إلى الاحتفال بالموت؟!.. أليس من الجنون إطلاق النار في الهواء ونحن نعلم أن الجاذبية لن تخون قوانينها.. وكل رصاصة ستعود لتبحث عن جسد تسكنه؟!
“ما بقصدي قتلته.. ما كنت عارف إنّها حتنزل عليه.. عن غير قصد”.. هي عبارات يردّدها القتلة العابثون بعدما يتسببون بإنهاء حياة بريئة وترك قلب أمٍ محترقٍ إلى الأبد.
يا “أُمّة الله” من أين ابتدعتم فكرة “رصاص فرح”.. الرصاصة لا تفرّق بين حزن وفرح.. لا تميّز بين عدو وحبيب.. ولا تعرف أنك تحتفل لأنّها لا تبتسم بل تقتل.
اللبنانيون يستحقون أفراحاً بلا جنازات.. يستحقون أنْ يعيش أطفالهم.. وأنْ تفرح أمهاتهم.. نحتاج إلى وعي وإلى محاسبة حقيقية.. بل إلى قوانين تُطبّق لا تُهمَل لأنّ “صوت الحياة أعلى من صوت الرصاص”، ودعونا “نُخمد أصوات البنادق.. لنسمع دقات القلوب السعيدة”!!

مصطفى شريف – مدير التحرير



