إذا كانت الشام “قلب العروبة النابض”… فجبل العرب والدروز “سويداء” هذا القلب!

كتب ياسين شبلي:
بعد انتصار الثورة الإيرانية وتسلّم الخميني الحكم في طهران، انتهج سياسة “تصدير الثورة”، وبدأها فعلاً من بوابة عدائه للنظام العراقي آنذاك بقيادة صدام حسين، عبر تنظيم ودعم “المعارضة الشيعية” والتدخّل في شؤون العراق الداخلية، ما أدى لاحقاً إلى اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية. يومها وصف صدام حسين الخميني بأنّه “شاه مُعمَّم” للدلالة على أنّ السياسة الإيرانية المعادية للعراق والعرب بشكل عام لن تتغير.
تذكرتُ هذا القول مع متابعتي لتطوّرات الأوضاع في سوريا إثر سقوط نظام “الأسدين: الأب والابن” غداة نصف قرن من الإرهاب، الذي مورس بحق الشعب السوري بكافة مكوّناته، باسم القضية الفلسطينية تارة وسلطة الدولة، التي يجب أنْ لا تعلوها سلطة تارة أخرى، وهو كلام حق يُراد به باطل عندما تذوب الدولة في السلطة، وتصبح السلطة هي الدولة في عُرف هؤلاء.
“قدرة قادر”
مع سقوط نظام بشار الأسد دخل “أبو محمد الجولاني” دمشق فاتِحاً بقوّة التفاهمات الإقليمية التي “شذّبت لحيته وألبسته البدلة المدنية” ليصبح “أحمد الشرع”، ووضعت له على ما يبدو دفتر شروط وخارطة طريق دولية – إقليمية برعاية عربية، مهّدت له اللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فرُفِعَتْ عنه العقوبات، وتوالى الدعم العربي السياسي والاستثماري بـ”قدرة قادر”، في وضع يُذكِّر باحتضان العرب لنظام حافظ الأسد وتدليلهم له زمن تلزيمه لبنان منذ “قمّة القاهرة” عام 1976 عبر قوات الردع العربية. هو الذي استغل هذا الوضع لتقوية سلطته في الداخل، ويُطبِق مع أسرته على أنفاس الشعب، طوال نصف قرن من الزمن، كانت كلفتها باهظة جداً على سوريا وشعبها والمنطقة عموماً.
عودة التاريخ بوجوه مختلفة
اليوم يبدو أنّ التاريخ يُعيد نفسه، لكن على شكل مأساة وملهاة مُرَّة في نفس الوقت، ففي حين نرى صورة “أحمد الشرع” في تعامله مع الخارج سواء مع الإقليم أو على مستوى العالم، نرى “أبو محمد الجولاني” يصول ويجول داخل سوريا مع جماعاته في مجازر متنقّلة تارة في الساحل السوري بحجة ضرب الفلول، وأخرى في جرمانا وصحنايا بعد تسجيل مزوَّر يسب الرسول، وثالثة ما يجري اليوم في السويداء عرين سلطان باشا الأطرش وقومه الكِرَام الذين ما بادروا يوماً بالاعتداء على أحد، لنكتشف أنّه ليس أكثر من “ضبع مُلتح”، فنراه في الساحل وبدل أنْ يتعامل مع الفلول بحِرفية أمنية وقتالية كما الدول المتحضرة، تعامل مع المنطقة بأكملها بروحية الثأر والانتقام المذهبي، ما أدّى إلى ممارسات يندى لها جبين الإنسانية، كإجبار الناس على العواء، والقتل العشوائي للآمنين، والتنكيل بهم لمجرد أنّهم علويون، كذلك في جرمانا وبدلاً من البحث والتحقّق من هوية الذي تطاول على الرسول ومعاقبته ومنع التداعيات، أفلت جماعته ليشنّوا الهجوم على الدروز في المنطقة.
“سويداء” القلب والروح
أما في السويداء، وبدلاً من القبض على قطّاع الطرق من البدو، الذين سرقوا واعتدوا على التاجر الدرزي وأهانوه بكيل الشتائم لقومه ومعتقداتهم، وذلك لمعاقبتهم وقطع الطريق على الفتنة قبل أنْ تستفحل ويصبح هناك ردود فعل يتوقّعها كل عاقل ومدرك لحساسيّة الأمر، نراه جرّد الحملات على الدروز في السويداء، بحجّة اختطاف بعض البدو، وكأنّ هناك في البلد “ولاد ست وولاد جارية”، أو بحجّة إتهام الشيخ حكمت الهجري – بغض النظر عن موقفنا منه – بالتمرّد على “الدولة” مدعوماً من الخارج، هذه الدولة التي لم تقم بعد ولم يتم الحوار والاتفاق مع مكوّنات الشعب السوري – والدروز منهم – على طبيعتها وطبيعة الحكم فيها، إذ أنّ سوريا لا تزال في مرحلة انتقالية يعوزها الكثير من الجهد والعمل الجاد والمخلص لإعادة الثقة بين أطيافها المختلفة، لكن الحاصل اليوم هو عكس ذلك، تماماً عبر سَوْق المُبرّرات للأسف لفرض نمط معيّن من الحكم على الناس، فمَنْ قال بأنّ “الجولاني” له في سوريا أكثر من الدرزي أو العلوي أو الكردي أو المسيحي وغيرهم من أطياف الشعب السوري؟!
في الختام، لطالما وُصِفَتْ الشام بأنّها “قلب العروبة النابض”، ونريدها أن تبقى كذلك، ولكن فليتذكّر الجولاني وأنصاره ومريدوه جميعاً، أنّه إذا كانت الشام “قلب العروبة”، فإنّ “جبل العرب” وأهله “الموحّدون الدروز” هم “سويداء” هذا القلب، شاء مَنْ شاء وأبى مَنْ أبى، وما هكذا تورد الإبل أيها الشرع، فلو دامت لغيرك – ولو بعد 50 عاماً – ما آلت إليك .. فتذكَّر واتّعظ.




