🟠قراءة “جنبلاطية” متشائمة: لبنان بين مخاطر التفكّك والفراغ الأمميّ…وصعود إسرائيل!

في حواره الأخير مع هادلي غامبل عبر «سكاي نيوز عربية»، يقدّم وليد جنبلاط قراءة متشائمة لمستقبل الشرق الأوسط، في ظل تراجع الدور الأميركي، وانشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، وتراجع المبادرة الأوروبية والعربية، مقابل اتساع هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية. لكن خلف هذا التشخيص القاتم، تبرز مجموعة من الثوابت السياسية التي تحكم مقاربته: رفض الانعزال الطائفي، والتمسّك بوحدة لبنان وسوريا، والدعوة إلى الحوار باعتباره المدخل الوحيد لتجنّب حروب جديدة. ولا يكتفي الرجل بتوصيف التحولات الإقليمية، بل يحاول استخلاص دروس من تجارب تاريخية عاشها لبنان والمنطقة، محذّراً من تكرار الأخطاء التي قادت إلى الحروب والانقسامات.
فراغ القوة وصعود إسرائيل
ينطلق جنبلاط من فرضية أنّ الولايات المتحدة الأميركية تتراجع عن دورها التقليدي في الشرق الأوسط، تاركة فراغاً تعمل إسرائيل على ملئه عبر توسيع نفوذها العسكري والجغرافي في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية. وهو لا يعتبر الوجود الأميركي السابق ضماناً للاستقرار، لكنه يرى أنّ تراجعه يضع الدول الصغيرة أمام اختلال أكبر في موازين القوى.
ومن هذا المنطلق، يشكّك جنبلاط في قدرة التغيّرات السياسية داخل واشنطن، على إحداث تحوّل ملموس في السياسة الأميركية تجاه المنطقة، كما لا يعوّل على الضغوط الأميركية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية. ويعكس هذا الموقف اقتناعاً بأنّ التحولات الدولية لا تمنح لبنان تلقائياً فرصة لتعزيز سيادته، بل قد تزيد تعرضه للضغوط الخارجية. لذلك يطرح جنبلاط احتمال نشوء نظام دولي جديد، ربما عبر تفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، لكنه لا يجزم بإمكان تحققه أو بقدرته على معالجة أزمات المنطقة.
لبنان ومعضلة «حزب الله»
وشكّل الوضع اللبناني محوراً أساسياً في الحوار. فجنبلاط يحذّر من احتمال استمرار الإحتلال الإسرائيلي في الجنوب لسنوات طويلة، ومن تحول تدمير البلدات والقرى الجنوبية وسيلة لفرض وقائع جغرافية واجتماعية يصعب تغييرها لاحقاً.
لكنه، في المقابل، لا يدافع عن استمرار سلاح «حزب الله» خارج الدولة، بل يؤكّد أنّ الحوار الوطني يجب أن ينطلق من مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. ولكنه يرفض معالجة هذه القضية بالقوة، خشية أن يؤدي التشدّد إلى مواجهة داخلية، تعيد لبنان إلى أجواء الحرب الأهلية. ويستحضر جنبلاط في هذا السياق تجربة انقسام الجيش اللبناني في ثمانينات القرن الماضي، محذّراً من تكرار استخدام المؤسسات العسكرية في نزاعات داخلية قد تؤدي إلى إضعاف الدولة بدلاً من تعزيزها.
كما يشدّد جنبلاط على أنّ الشيعة مكوّن أساسي من المجتمع اللبناني، وأنّ معالجة مسألة «حزب الله» لا يمكن أن تقوم على الإقصاء أو إنكار حقوق جماعة واسعة من اللبنانيين. ومن هنا، يستشهد بالتجربة البريطانية والإيرلندية الشمالية، للدلالة إلى إمكان الانتقال من النزاع المسلح إلى التسوية السياسية.
غير أنّ هذه المقاربة تطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن تحويل الحوار خطة عملية تضمن استعادة الدولة قرار الحرب والسلم، من دون أن يتحول التفاوض وسيلة لتأجيل الحل؟ ويقرّ جنبلاط ضمناً بأنّ المهمّة معقّدة، لأنّ نجاحها يرتبط أيضاً بمواقف إيران وإسرائيل، ما يكشف مدى تداخل القرار اللبناني مع الحسابات الإقليمية.
الدروز في سوريا
تظهر حدّة جنبلاط السياسية بوضوح في موقفه من الدروز في جنوب سوريا، ولا سيما منهم القوى التي تتّجه نحو طلب الحماية الإسرائيلية أو الانفصال عن الدولة السورية المركزية. فهو يرى أنّ الارتهان لإسرائيل قد يحوّل الدروز أدوات في نزاعات لا يملكون تقرير مساراتها، ويعتبر أنّ هذا الخيار يتناقض مع تاريخهم الوطني، مستحضراً دور سلطان باشا الأطرش في الثورة السورية الكبرى ضدّ الانتداب الفرنسي. لكن موقف جنبلاط هذا لا يلغي المخاوف الأمنية التي دفعت بعض الدروز إلى البحث عن حماية خارجية، خصوصاً بعد أحداث العنف التي شهدتها السويداء. وهو يشير إلى ضرورة التحقيق في المجازر والانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين، والتوصل إلى تسوية بين السكان والدولة السورية. وهنا تكمن أهمية مقاربته: فالوحدة الوطنية لا يمكن أن تكون بديلاً من العدالة، كما أنّ المطالبة بالحماية لا ينبغي أن تتحول مشروع انفصال أو ارتباط استراتيجي بالخارج. فنجاح الدولة السورية الجديدة يتوقف على قدرتها على توفير الأمن والحقوق لجميع مكوناتها، لا على استعادة السيطرة بالقوة وحدها.
طارق ترشيشي- الجمهورية



