🟠تحدّيات إقليميّة من النوع الصعب: لماذا الأردن ولماذا الآن؟

لماذا الأردن ولماذا الآن؟

يعطي ذهاب الملك عبدالله الثاني بنفسه إلى محافظة الكرك، مباشرة بعد العمل الإرهابيّ الذي استهدف مسيحيّين كانوا يصلّون في كنيستهم، فكرة عن الجدّيّة التي يتعامل بها الأردن مع هذا العمل الذي يمكن اعتباره الأوّل من نوعه في المملكة الهاشميّة. تفقّد العاهل الأردنيّ الجرحى واطمأنّ بنفسه إلى وضعهم في بلد لم يفرّق يوماً بين مواطن وآخر، وذلك منذ قيام إمارة شرق الأردن قبل قرن وخمس سنوات.

يشكّل العمل الإرهابيّ الذي استهدف كنيسة في قرية حمود في محافظة الكرك اختباراً جديداً أمام الأردن الذي يواجه هذه الأيّام تحدّيات بعيدة كلّ البعد عن قضيّة الوحدة الوطنيّة التي لا مجال للمسّ بها. يُعتبر الأردن بلداً لم يطرح فيه في يوم من الأيّام موضوع العلاقة بين المسلم والمسيحيّ. جمعت الوحدة الوطنيّة، برعاية الهاشميّين، بين كلّ مكوّنات المجتمع الأردنيّ في ظلّ العيش المشترك بين مواطنيه المسلمين والمسيحيّين، أكان المسيحيّ من أصول شرق أردنيّة… أو فلسطينيّة.

الأردن عصيٌّ على الاختراق

حدث أنّ المجموعة المسلّحة التي هاجمت الكنيسة تعمّدت قتل أكبر عدد من المسيحيّين الذين ينتمون، في معظمهم، إلى عشيرة شرق أردنيّة (آل هلسه). كان هؤلاء في جنازة إحدى السيّدات من تلك العائلة المعروفة. أرادت هذه المجموعة الإساءة إلى صورة الأردن الذي يواجه حاليّاً نوعاً آخر من التحدّيات مصدره إسرائيل وإيران، وذلك في ظلّ ظروف إقليميّة في غاية التعقيد. سيظلّ التحدّي ذو الطابع الإقليميّ التحدّي الأكبر للأردن في حين أنّ استهداف الأقلّيّة المسيحيّة لا يمكن أن يكون له أيّ أفق سياسيّ داخليّ على أيّ صعيد كان. لا يعود ذلك إلى طبيعة الوجود المسيحيّ في الأردن فحسب، بل لأنّ اختراق المجتمع الأردنيّ مستحيل أيضاً، خصوصاً في ضوء تركيبة هذا المجتمع والعلاقة التاريخيّة بين مسلميه ومسيحيّيه، بما في ذلك العائلات القليلة العدد التي جاءت أصلاً إلى الأردن من لبنان.

الأردن موطن للمسيحيّين، وأرض مقدّسة تحتضن موقع عمادة السيّد المسيح في المغطس، وهو أحد أبرز المواقع الدينيّة المسيحيّة في العالم، وشاهد حيّ على عمق الحضور المسيحيّ التاريخيّ والأصيل في الأردن. إلى ذلك، فإنّ مجتمع الكرك أكثر مجتمع يعبّر عن العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيّين.

ليس خافياً أنّ الأردن يعتبر ما تقوم به إسرائيل في الضفّة الغربيّة عملاً موجّهاً ضدّه. لم يخفِ الملك عبدالله الثاني ذلك، بل كان خطابه الأخير في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة واضحاً كلّ الوضوح في ما يخصّ إدانة السياسة الإسرائيليّة التي تستهدف الأردن. لم يتردّد العاهل الأردنيّ في تسمية الأشياء بأسمائها حين وجّه إدانة مباشرة إلى ممارسات الحكومة الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة.

الأردن بين فكّي كمّاشة

هل صدفة أن يكون الهجوم على الكنيسة حصل في الوقت الذي قتل فيه مسلّحان فلسطينيّان عند حاجز قرب الخليل، كبرى مدن الضفّة الغربيّة المحتلّة، عسكريّين إسرائيليّين؟ لن يكون قتل العسكريّين الإسرائيليّين حدثاً عابراً. الدليل مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى الذهاب بعيداً في الإجراءات التي ينوي اتّخاذها والتي تشمل كلّ الضفّة الغربيّة. تحدّث رئيس الحكومة الإسرائيليّة عن إجراءات لا سابق لها ستتّخذها حكومته، وذلك منذ احتلال الضفّة في العام 1967.

لا شكّ أنّ ذلك سيضع الأردن في موقف حرج، خصوصاً أنّ “بيبي” يبدو مستعدّاً، عشيّة الانتخابات الإسرائيليّة، لاستغلال حادث الخليل إلى أبعد حدود لعلّ ذلك يساعده في البقاء في موقع رئيس الحكومة. ربّما يذهب، في ضوء ما ورد في تصريحاته، إلى محاولة تكرار تجربة غزّة في الضفّة الغربيّة مع ما لذلك من انعكاسات مباشرة على الأردن.

لا يواجه الأردن إسرائيل وحدها. فقد تعرّضت المملكة الهاشميّة وما تزال تتعرّض لاعتداءات إيرانيّة بحجّة وجود قواعد عسكريّة أميركيّة في الأردن. ليس سرّاً أنّ لدى الميليشيات المذهبيّة العراقيّة الموالية لإيران حشوداً في مناطق قريبة من الحدود مع الأردن. ليس سرّاً أيضاً أنّ النظام الإيرانيّ لم يتردّد منذ قيامه في العام 1979 في التآمر على الأردن مباشرة أو عن طريق أدواته في المنطقة، بمن في ذلك “الحزب” في لبنان الذي سعى إلى إنشاء خلايا في داخل الأردن، كما حاول تهريب أسلحة عبر الأراضي الأردنيّة إلى مجموعات موالية له في الضفّة الغربيّة.

الثابت أن لا مجال لفتنة داخليّة في الأردن على الرغم من خطورة حادث الاعتداء على المسيحيّين، وقتل تسعة منهم وإصابة نحو أربعين بجروح، في داخل الكنيسة وخارجها. كذلك، على الرغم من حساسيّة محافظة مثل الكرك لا تبعد كثيراً عن عمّان.

لكنّ الثابت أيضاً أنّ المملكة تجد نفسها في مواجهة تحدّيات إقليميّة من النوع الصعب. لكلّ هذه التحدّيات عنوان واحد هو التطرّف، تطرّف قوى ولدت من رحم تنظيم “الإخوان المسلمين” تعمل داخل المملكة، وسيكون ممكناً القضاء عليها… وتطرّف إسرائيلي يهدّد الأردن انطلاقاً من الضفّة الغربيّة، وتطرّف إيرانيّ في أساسه رغبة دائمة في الانتقام من الأردن. يعود ذلك إلى أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” لم تستوعب يوماً أنّ المملكة الأردنيّة الهاشميّة ليست حلقة عربيّة ضعيفة يمكن للمشروع التوسّعيّ الإيرانيّ اختراقها بسهولة.

تبقى مجموعة من الأسئلة التي يمكن طرحها في ظلّ الظروف الراهنة التي شهدت اعتداء، هو الأوّل من نوعه، على مسيحيّي الأردن. من بين هذه الأسئلة لماذا الأردن ولماذا الآن؟ هل من علاقة بين الاعتداء واقتراب موعد الذكرى الـ42 لتوقيع اتّفاق السلام بين الأردن وإسرائيل (اتّفاق وادي عربة) يوم 26 تشرين الأوّل سنة 1994؟

خبر الله خير الله- اساس

مقالات ذات صلة