🟠ما بعد بعد نصرالله… سر عميق رهن التثبت إن «اغتيل أو انتحر»!؟

ما بعد بعد اغتيال نصرالله… رهن التثبت إن اغتيل أو انتحر!؟

لن تتوقف الروايات التي يمكن أن تُنسَج حول حياة السيد حسن نصرالله عند ما رافق إحياء الذكرى السنوية الثانية لاغتياله أول أمس الأحد. ذلك أنّه سيبقى حاضراً في أذهان محبّيه وخصومه معاً. وستُنسج الأساطير من دون أن تنضب جعبة الرواة لمرحلة طويلة رافقت تشكيل قوّة «شيعية مسلّحة» ترفض تسليم أسلحتها للدولة. لكنّ سراً عميقاً سيبقى من دون جواب حتى التثبت من صادق وعارف، إن كان اتهم يحيى السنوار بـ»العمالة»، أو أنّه اغتيل ولم ينتحر؟

عبرت الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الأمين العام الراحل لحزب الله السيد حسن نصرالله في توقيتها، وألحقت بها ذكرى مماثلة، تعني ابن عمّته وخَلَفه في الأمانة العامة السيد هاشم صفي الدين، الذي اغتيل بعده بـ6 أيام بالطريقة عينها وتحديداً في 3 تشرين الأول 2024. وجاء توحيد الذكرى هذا العام ليحاكي تلك التي رافقت تشييعهما معاً، في احتفال غير مسبوق في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت في 23 شباط 2025 بعد 5 أشهر على اغتيالهما وإيداع جثمانيهما مقبرة موقتة، و4 أشهر أخرى على إعلان انتخاب خلفهما الشيخ نعيم قاسم أميناً عاماً للحزب في 27 تشرين الأول 2024، بعد «توافق» أعضاء مجلس الشورى في الحزب على توليه المهمّة، في جلسة لفّها الغموض والسرّية التامة، إذ إنّه لم يُحدَّد لا زمانها ولا مكان انعقادها.

وما كان لافتاً في هذه الذكرى، أنّها أوحت بالكثير المختلف عن المناسبات السابقة في شكلها ومضمونها، على أكثر من مستوى سياسي وشعبي وحزبي، ليس لكونها أُقيمت في جوار مرقده للمرّة الأولى وفي حضور شعبي لم يقترب بحجمه من أي من المناسبات السابقة، وفي غياب رموز عديدة عن الصف الأول، إذ لم تظهر تلك الوجوه السياسية والحزبية والديبلوماسية وممثلو القيادات العسكرية والأمنية، واقتصر الحضور على ممثل الرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل ورئيس تيار «المردة» الوزير السابق سليمان فرنجية وعدد من نواب الحزب وزملائهم لا يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة، وعائلة الراحل وشخصيات من أصدقاء الحزب. وفي غياب التمثيل الديبلوماسي حضر السفير الإيراني السابق في لبنان محمد رضا الشيباني، في أول ظهور علني له، منذ أعلن وزير الخارجية يوسف رجي بأنّه شخص غير مرغوب به ولم تُقبَل أوراق اعتماده، ومتجاوزاً بخطوته تمنّي الرئيس نواف سلام على الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في لقائهما قبل أيام في نيويورك، بتسمية شخصية ديبلوماسية غيره للمهمّة.

وإلى هذه الملاحظات الشكلية، فقد ألقت احتفالات هذا العام بالذكرى، الضوء على العديد من الإشكاليات السابقة التي بقيت محصورة بعدد قليل من المطلعين، أو أنّها بقيت في مدار التشكيك بدقتها، ولا سيما لجهة التصنيف الذي اعتمده الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في كلمته التي توجّه بها من بُعد، لمن قضى مع الأمينَين العامَّين، فأتى على ذكرهم بأسمائهم وصفاتهم، بطريقة أكّدت معلومات تسرَّبت سابقاً من باب الإشارة إلى قائد عسكري إيراني كبير قضى إلى جانب السيد، ولا سيما تلك الرواية التي ربطت بين موعد الاغتيال وما توفّر من معلومات دقيقة وصلت إلى المخابرات الإسرائيلية من طهران بداية أيلول، عن لقاء سيجمع الرجلَين. وقد جاءت إشارة الشيخ قاسم إلى هويّته «باعتزاز» وهو «الشهيد القائد اللواء عباس مرتضى نيلفروشان»، مستفيضاً بالتعريف عنه بأنّه «إداري قدير وعسكري متمرِّس وصاحب رؤية. حصل على الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الإمام الحسين، وكان قائداً لقوّة القدس في لبنان وسوريا لمدة 5 سنوات، واختتم حياته في قيادة قوّة القدس في لبنان، وكان إلى جانب المقاومة داعماً ومسانداً ومشيراً».

على هذه الخلفيات، ظهر أيضاً أنّ بعض الحلقات من «التغطية الخاصة» التي بثتها «قناة المنار» إحياء للمناسبة، تحدّثت للمرّة الأولى – بجرأة ضيوفها – عن حجم الخروقات الاستخبارية الإسرائيلية في إيران وصفوف الحزب، والتي أدّت إلى اغتيال المرشد وعدد كبير من قادة الثورة، والحزب في لبنان من الصفَين الأول والثاني. ولعلّ أكثرها خطورة، تلك التي تحدّث عنها النائب السابق نواف الموسوي، عندما أكّد في مقابلته عن «إجراءات صارمة» اتُخِذت بحق مَن ثُبُت تورُّطهم بـ»العمالة» من دون توصيف ماهيّتها، أو يشير إلى أي اسم منهم، على رغم ممّا أشيع سابقاً عن هويات ومواقع وأدوار بعضهم الدقيقة. لكن ما أضافه الموسوي أيضاً، بأنّ أجهزة «البيجر» التي تمّ تفجيرها في 17 أيلول، قبل 10 أيام على اغتيال نصرالله، عُرِضت على خبراء من دولة غربية متقدّمة جداً، بعد التشكيك باحتمال تفخيخها، لكنّ أياً منهم لم يتعرَّف على خطورة المواد المستخدمة لاستحالة المهمّة.

وختاماً، لا بدّ من الإشارة، إلى أنّ ما قيل عن كل ما أحاط باغتيال نصرالله لن يقف عند حدود ما كُشف إلى اليوم. فحياة الرجل، منذ انتخابه أميناً عاماً في 16 شباط 1992 بعد اغتيال سلفه السيد عباس الموسوي في غارة جوية في الجنوب، حافلة بالروايات التي لا تنضب. إلّا أنّ بعضاً من أبرزها ما زال غامضاً، ويحتاج إلى مَن يؤكّده أو ينفيه من موقع العارف – الصادق. ومنها تلك التي قالت إنّه وجّه اتهاماً بـ»العمالة» إلى يحيى السنوار، عندما تبلّغ بإطلاقه عملية «طوفان الأقصى»، متفرّداً ومتجاهلاً أدوار مَن التزموا مبدأ «وحدة الساحات» في محيط «الدولة اليهودية»، كما نُقِل عن مقرّبين منه.

وأضاف أحدهم قائلاً، إنّ السيد «انتحر» ولم «يُغتال»، بعدما عاش «حالة يأس» غير مسبوقة، إثر المسلسل الذي بدأ بتفجير «البيجر» واغتيال رفاقه القادة في أيام معدودة قبل أن يطاله، وقد تشدّد في إخلاء محيط منشأته قبيل اغتياله بساعات، مشترطاً بألّا يبقى «مواطناً بريئاً»، من المئات الذين كانوا سيدفعون الثمن.

جورج شاهين-الجمهورية

مقالات ذات صلة