🟠 خاص – أفيون الشعارات في زمن النسف: قاسم ينظر لـ”الميدان” من خرم إبرة

خرج علينا الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم يوم أمس، مرّة جديدة بخطابٍ ينتمي إلى كوكبٍ آخر، يُعيد تدوير ذات الأسطوانة المشروخة التي لم تعد تُطرِب حتى مُريديها؛ مُتسلّحاً بلغة التخوين الجاهزة والاتهام المسبق للدولة بالتقصير والتنازل.
لعل ذروة السريالية والوقاحة السياسية في الخطاب تمثّلت في مناورته المفضوحة حين قال “نحن حاضرون للنقاش في حصرية السلاح، لكن حقّقوا التحرير أوّلاً”، في مقايضة هزلية تطالب الدولة بعد استجرارها إلى الحرب، بأنْ تحرّر الأرض، بينما يحتكر الحزب السلاح ليمارس به مغامراته العبثية.

الغريب ليس في استعارة هذه الأدبيات المعهودة، بل في تلك “العين” التي تقف بكل ثقة لتسأل متهكمةً: “ماذا فعلت الدولة؟”، كرد على سؤال: “ماذا فعلت المقاومة؟”، ليوهم جمهوره بأنّ أزمة الجنوب هي أزمة “تقاعس رسمي” وليست نتاج خيارات انتحارية أوردت البلاد المهالك.
هذا الإصرار العجيب على التمسّك بـ”معادلات الردع” المزعومة وربط السلاح بتحرير وهمي، يأتي في وقتٍ لم يعد حزب الله إلا أشبه بـ”بيت العنكبوت”، الذي لطالما اعتبر أنّ العدو الإسرائيلي أوهن منه. عن أي ميدان يتحدّث قاسم والعدو يقضم ربع الجنوب جغرافياً؟، ويسرح ويمرح في الأجواء اللبنانية دون حسيب أو رقيب، وقد يفرض حصاره على البحر في أي لحظة؟
لقد تحوّلت “سردية السيطرة” إلى مُجرّد صراخ في وادٍ سحيق، بينما الواقع على الأرض ينطق بغير ذلك تماماً، حتى “البيئة الحاضنة” التي لطالما استُهلكت تضحياتها في حروب الآخرين، بدأت تئن وتصرخ تحت وطأة النزوح والتشرّد، والقرى أُبيدت عن بكرة أبيها، والبيوت سوّيت بالتراب، دون أي أفق حقيقي لإعادة الإعمار في ظل مواصلة العدو لآلة النسف والتدمير اليومي

المفارقة المضحكة المبكية تتجلّى في رفض التفاوض المباشر والتحذير من تغيير التوازنات السياسية الداخلية ونزع السلاح؛ وكأنّ السلاح لا يزال يملك هيبة، أو كأنّ التوازنات لم تتغيّر بفعل العجز العسكري الفاضح في حماية الناس.
هذا المحور يفضل رؤية البلد رماداً على أنْ يعترف لحظة واحدة بأنّ “وهم فائض القوّة” قد تبخّر، وأنّ الاستقواء على الداخل بسلاحٍ عاجزٍ أمام الخارج، لم يعد ينطلي على أحد، فالسيادة لا تُحمى بالخطابات الإنشائية، بينما الأرض تضيع من تحت الأقدام.
خاص Checklebanon



