🟠 خاص – “عودة الأصالة”.. ليلة سلطن فيها الطرب!

في ليلة أجمل من ألف ليلة وليلة.. ليلة عادت فيها الروح إلى حضن الحنين ولملمة الشوق عن أرصفة بلاد الياسمين.. كان الطرب والاتزان والرقي.. والدمعة الملوّنة بالضحكة والفكاهة عناوين الأصالة لـ”ليلة عودة الأصالة”..

ليلة 17 أيلول السورية لم تكن ككل الليالي.. بكل كانت “ليلة وطن” بأكمله.. ليلة “عودة أصالة ع الشام”.. نعم عادت الفتاة الشقية التي ركضت في الحواري يوماً، وغنّت على أنغام عود والدها مصطفى نصري، فدخلت كأميرة من أميرات الخيال على مسرح أهلها وناسها، غنّت بخشوع الراكع أمام محراب “سلطنة الطرب”، و”مسؤولية عراقة التاريخ”، وتنوّع الثقافات السورية فكانت “ليلة سوريا الفن”، التي يعرفها العالم أجمع..

وقفت على المسرح لا لتغني فحسب، بل لتبلسم جراح 15 عاماً من الغياب، ببراعة مَنْ يتقن العلاج، فكانت عفويةً وعميقة، لامست وجع شعبها من السويداء وحوران وطرطوس إلى حما وحمص ودير الزور، إلى كل سوريا، فكانت أصيلة بفنّها وشجنها وأصالتها.. بل ورفعت على كتفيها مسؤولية وطنها بصوتها، بكل جدية واقتدار وحضور متألّق..

ليلة حملت ألف رسالة سياسية، حيث أصابت كل نبرة خرجت من حنجرتها هدفها بدقّة؛ لم تُطلق شعارات أو خطباً سياسية، بل توّجت الموسيقى سلطانة على عرش الخطب والسياسات؛ حيث عبرت كل أغنية الحدود الوهمية، التي بناها الساعون للتفرقة، فبلغت قلوب أبناء الوطن أجمع، في “لحظة تجلٍّ” شعروا فيها أنّ كرامتهم التي سُلبت يوماً قد أُعيدت لهم، وأنّ ذكريات النضال ومواقف الشرف ليست أوهاماً تسقط بالتقادم.

غنّت وحولها فرقةٌ موسيقية عزفت الشغف قبل النغم، فبقي صوت أصالة صامداً وشامخاً على مدار أربع ساعات متواصلة من التحليق، يرتفع ويتسامى حتى اخترق حدود السماء، فجاء الصوت متناسقاً مع اللوحات الاستعراضية المتنوّعة، التي ضاهت ببراعتها أرقى وأهم مسارح العالم، فأضفت روحاً وطنية إنسانية جمالية، فرضت على المُحب والمُبغِض الاعتراف بروعتها..

أما أولئك الذين استكثروا على الناس ساعاتِ الفرح بحجّة الجوع والأسى، فليركعوا صمتاً أمام حرمة الروح؛ لأنّ حاجة الشعوب للفن والجمال كحاجتها للخبز على السواء، بل إنّ الأمم التي يفقد فيها الفن نبضه تسقط وتتهاوى قبل غيرها، ورغم كل من محاولات المُتشدّدين الضغط لإلغاء الحفل، أُقيمت الأمسية بحضور آلاف السوريين واللبنانيين والعرب أيضاً، ونُقلت عبر العشرات من القنوات والمنصات، وسط تفاعل واسع داخل سوريا وخارجها.

لينهمك “صغار النفوس” في انتقاد مغادرة “صولا” بطائرتها عقب الحفل، فيما الواقع يقول بأن لها كل الحق في أنْ تلوذ بسلامتها، أمام “خشيةٍ مشروعة” من تربُّص المُتشدّدين؛ وأيضاً تربّص مَنْ عايروها بجمع المال، ثم الرحيل عن هموم الناس، فهي لم تكن يوماً كفيلةً بقوت السوريين ولا مسؤولةً عن أزماتهم، بل قدّمت ما هو أعظم وأبقى؛ فهل المطلوب من حفلة فنية واحدة أنْ تُعيد الوطن بأكمله الى “سكة السلامة”، وتُعيد بلد عاش انهيارات حُكم طاغية إلى الأمل المنشود، بل يكفي أنّها نفخت روح الأمل وبثت نبض الحياة الصافي في شرايين وطنٍ مُجهَد، وجعلته ولو لليلةٍ واحدة محط أنظار العالم وقبلةً تتّجه إليها القلوب والأبصار.

كانت تلك الليلة تأكيداً ساطعاً على أنّ عودة أصالة إلى أرضها لم تكن مجرّد رحلة عادية، بل قيامة للفن الحقيقي، وانتصاراً ناصعاً للحرية والثورة، وتجسيداّ حيّاً لانتصار المظلوم على الظالم – كما قال وزير الثقافة خلال تكريمها – في وطنٍ حفظ أهله أغانيها وغرسوا اسمها في عمق وجدانهم رغم سنوات الغياب.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة