🟠 خاص – هندسة الملاحة البحرية: هل يحوّل العرب ممرّاتهم إلى قوة عالمية مشتركة؟

تقف الدول العربية على أثرى أربعة منافذ مائية تُحرّك شريان الحياة للاقتصاد العالمي، لتمارس هواية الفرّاج الأبدي الذي يعبر النفط وتتدفق الحاويات أمام عينيه دون أن يملك من أمرها سوى جباية رسوم العبور.
إنّ الامتياز الجغرافي الخالص من هرمز إلى باب المندب وقناة السويس وصولاً إلى جبل طارق لم يترجم يوماً إلى قوة تفاوضية أو نفوذ جيواقتصادي حقيقي، بل ظل مجرد مجرى مائي تعبره أساطيل العالم وتتحكم في تأمينه وسلاسل توريده الشركات الأجنبية.
ينفق العرب مليارات الدولارات سنوياً كأقساط تأمين بحري لمؤسسات خارجية لحماية الملاحة في مياههم الإقليمية، وتعتمد تجارتهم البينية بنسبة كارثية تصل إلى تسعة وثمانين بالمئة على وسائط وشحن أجنبي. هذا الاستنزاف الصارخ للموارد المالية كان يمكن إبقاؤه داخل المنطقة لو توفرت الإرادة السياسية لتأسيس أسطول نقل موحد أو شركة تأمين عربية مجتمعة تُدير المخاطر لحسابها، بدلاً من إلقاء أوراق القوة في أحضان الأسواق الغربية والشرقية.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه الأمم على تقليص زمن اللوجستيات، تستمر البيروقراطية المقيتة والمنظومات الجمركية البدائية في الموانئ العربية في إهدار وقت السفن وتفريغ جيب المواطن العربي عبر رفع تكلفة السلع الغذائية.
القوة الحقيقية لا تكمن في المشاهدة الاستعراضية لعشرين مليون برميل نفط تعبر هرمز يومياً، ولا في إحصاء آلاف الحاويات المارة عبر القناة، بل في التحول إلى الرقم الأقوى على الطاولة عبر ربط البيانات الجمركية رقمياً وتخفيض زمن تفريغ الشاحنات، وخلق صناعات لوجستية وإعادة تصنيع تحمي الأسواق المحلية من هزات الأسعار العالمية وتوفر فرص عمل فعلية للشباب.

إن البقاء في خانة “الممر المائي المجرد” هو استقالة صريحة ومجانية من صناعة القرار الاقتصادي الدولي؛ فالسفينة التي تعبر هذه المنافذ الأربعة لا تملك خياراً آخر سوى الدوران المكلف حول أفريقيا. وتفريط العرب في الربط بين هذه المفاتيح المغلقة يتحول عمداً إلى شريط ساحلي مائع، يكتفي بمنظر السفن المارة ولا يملك الجرأة ولا الرؤية لفرض شروطه السيادية على معادلة التجارة العالمية.
خاص Checklebanon



