🟠تدخّلوا أو ينتصر منطق “الحزب”: الانسحاب الإسرائيليّ وإلّا…

المفاوضات المباشرة: الانسحاب الإسرائيليّ وإلّا…

بين مؤتمر دعم الجيش في باريس، والقمّة الثلاثيّة الفرنسيّة – اللبنانيّة – الأردنيّة، وصولاً إلى اجتماع سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن، والتحضير للجولة المقبلة من المفاوضات بين بيروت وتل أبيب، واجتماعات نيويورك المقبلة، لم تتوضّح الصورة بعدُ في شأن أمرين أساسيَّين: بدء التزام إسرائيل بانسحاب يمهّد لانتشار الجيش اللبنانيّ على امتداد المنطقة المحتلّة، والسيناريو العمليّ والتنفيذيّ في شأن بديل “اليونيفيل” في جنوب لبنان.

حَمل رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى مؤتمر باريس التحضيريّ رسالة سياسيّة أساسيّة مفادها: “الاستثمار في دعم القوى الأمنيّة اللبنانيّة، وعلى رأسها الجيش، هو استثمار أيضاً في أمن المنطقة واستقرارها”، محذّراً من تداعيات السقوط (سقوط الدولة) أيضاً على المنطقة برمّتها.

لكنّ النتيجة العمليّة للمؤتمر تلخّصت أوّلاً بعدم تحديد موعد المؤتمر العامّ لدعم الجيش المفترض أن يدرّ عشرات ملايين الدولارات لدعم الجيش والقوى الأمنيّة للقيام بمهامّها المطلوبة (مع فارق المتطلّبات إذا حصل الانسحاب الإسرائيليّ أو لم يحصل)، وثانياً بعدم حصول الجانب اللبنانيّ على الجواب الشافي حيال سؤال المرحلة: هل الفراغ الأمنيّ سيكون مصير الجنوب بعد انتهاء مهامّ “اليونيفيل”؟ وهل يجد الجيش اللبنانيّ نفسه وجهاً لوجه مع الإسرائيليّ؟

تفاوض في مهبّ المجهول

قُلِبت صفحة المؤتمر ليبدأ البحث الفعليّ عن حجم الدعم، وتحديد موعد المؤتمر المقبل، و”شروط” الدعم، ومداه إذا أُقرّت خطّة إيفاد بعثة أوروبيّة إلى الجنوب، والأهمّ تحديد الفاصل العمليّ بين هذه البعثة وآليّة التحقّق، ضمن سياق مشروع المناطق التجريبيّة، التي لم تنشأ بعد. هنا يؤكّد أكثر من مصدر أوروبيّ أنّ شروط الدعم موجودة وأقساها يأتي من الجانبين الإسرائيليّ والأميركيّ.

لكنّ صفحة التفاوض لا تزال مفتوحة على جولة يتيمة في تشرين الأوّل المقبل، أو تأجيل مفتوح على مجهول في ظلّ معطيات مستجدّة أهمّها الإعلان الإسرائيليّ عن السيطرة العملياتيّة على مرتفعات عليّ الطاهر، وإبقاء تل أبيب، وفق مسار التطوّرات الميدانيّة، على مشروعها بالتمدّد العسكريّ في البلدات المحيطة بعليّ الطاهر من خلال الغارات والاستهدافات اليوميّة، والتأكيد الإسرائيليّ الرسميّ والعسكريّ المستمرّ لعدم الانسحاب من المنطقة الأمنيّة في جنوب لبنان قبل سحب سلاح “الحزب” من كامل الأراضي اللبنانيّة.

أمس، لم يكن حادث دير ميماس تفصيلاً بسيطاً، بل يعكس الواقع الأمنيّ والعسكريّ الذي يحاول العدوّ فرضه على الجيش اللبنانيّ، بما في ذلك دفعه إلى الانسحاب من مناطق محرّرة، وتحت التهديد، حيث هدّد الجيش الإسرائيليّ عناصر ​الجيش اللبنانيّ​ باستهدافهم في حال عدم مغادرتهم المكان عند أطراف بلدة دير ميماس بزعم أنّها تقع ضمن “الخطّ الأصفر”.

مستشار الرّئيس

المقال الذي نشره المستشار السياسيّ لرئيس الجمهوريّة جان عزيز في موقع just security، ونشر في 16 أيلول عشيّة انعقاد مؤتمر باريس التحضيريّ لدعم الجيش، في 17 أيلول، وبعد أيّام من لقاء سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيليّ في واشنطن يحئيل ليتر في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة، الذي لم يخرج بأيّ نتيجة عمليّة، ربّما يُشكّل المساحة الرئاسيّة الأكثر صراحة التي طبعت مرحلة بدء التفاوض منذ 14 نيسان الماضي وصولاً إلى اليوم.

تبرز الأهميّة القصوى للمقال بأنّه مقابل تأكيد الرئاسة الأولى مراراً أن لا خيار سوى التفاوض، مع الدعوة المستمرّة لـ”الحزب” للانخراط بالدولة، يشرح عزيز، للمرّة الأولى، عوائق الوصول إلى نتائج ملموسة من خلال خيار التفاوض وصولاً إلى الاعتراف: لا تدعوا اتّفاق السلام اللبنانيّ (اتّفاق الإطار) يثبت صحّة موقف “الحزب”. أهمّ ما تضمّنه المقال النقاط الآتية:

– تأكيد عزيز أنّ “الاتّفاق بين لبنان وإسرائيل، بعد نحو ستّة أسابيع من إبرامه، بدأ يتعثّر، خصوصاً بعد فشل المحادثات الأميركيّة في روما في الاتّفاق على توسيع “المناطق التجريبيّة” التي يُفترض أن تنسحب منها القوّات الإسرائيليّة، ويتولّى الجيش اللبنانيّ السيطرة عليها”.

وفق المقال “إسرائيل تريد من الجيش اللبنانيّ أن يثبت قدرته على السيطرة في المناطق التي انسحبت منها، بالتوازي مع إحراز تقدّم في نزع سلاح “الحزب”، قبل أن تنسحب من مناطق إضافيّة. أمّا الموقف اللبنانيّ فهو أنّ الجيش لا يستطيع أن يفرض سيطرته بصورة كاملة على أراضٍ لا تزال القوّات الإسرائيليّة موجودة فيها”. ويقول: “هذا الواقع هو أكثر من مجرّد نزاع حول ترتيب الخطوات. إنّه تناقضcontradiction يهدّد المنطق السياسيّ للاتّفاق برمّته”.

– يرى عزيز أنّ “الالتزام الأميركيّ يجب ألّا يتوقّف عند توقيع الاتّفاق، بل يجب على واشنطن أن تستخدم كامل نفوذها من أجل الإبقاء على مسار الانسحاب الإسرائيليّ، بالتوازي مع دعم الجيش اللبنانيّ والدولة اللبنانيّة”، قائلاً: “يجب على إسرائيل أن لا تجعل الانسحاب مكافأة مؤجّلة إلى أجل غير محدّد مقابل ما يقوم به لبنان”.

“ليس فقط السّلاح“

– أهمّ الرسائل التي تناولها المقال تأكيد عزيز أنّ “التعامل مع مسألة سلاح “الحزب” لا يمكن أن يكون عبر مجرّد مطالبته بتسليم أسلحته، لأنّ “الحزب” بنى جزءاً من مبرّر وجود سلاحه على فكرة أنّ الدولة اللبنانيّة عاجزة عن حماية الأراضي اللبنانيّة، أو إجبار إسرائيل على الانسحاب. بالتالي، إذا أرادت الدولة اللبنانيّة أن تحلّ محلّ “منطق المقاومة المسلّحة”، فعليها أن تثبت أنّ مؤسّسات الدولة تستطيع تحقيق النتائج الأمنيّة التي يقول “الحزب” إنّ سلاحه وحده قادر على تحقيقها”.

هنا يقترح المقال عمليّاً مقاربة أوسع من نزع السلاح، هي نزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج Disarmament, Demobilization and Reintegration ، بمعنى أنّ الانتقال يجب ألّا يكون عسكريّاً فقط، بل أن يأخذ بالاعتبار الجوانب الأخرى التي تفرضها “حالة” الحزب على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ. يعكس ذلك جانباً من الخطاب الذي ألقاه عون في السفارة اللبنانيّة في واشنطن، بعد لقائه الرئيس الأميركيّ، والذي أثار حساسيّة اللوبي اللبنانيّ-الأميركيّ في واشنطن، واستنفار بعض الأحزاب المسيحيّة كالقوّات والكتائب.

يعيد المقال التأكيد بأن الحزب “لم يصبح جزءاً من المجتمع اللبناني بسبب الدعم الإيراني وحده، بل لأنه على مدى عقود بنى مؤسسات سياسية، وشبكات اجتماعية، وخدمات، وأنظمة حماية، في مناطق كان حضور الدولة فيها ضعيفاً. وبالتالي، فإنّ أي انتقال جدّي بعيداً عن الدور المسلّح للحزب يجب أن يمنح مؤيّدي الحزب داخل الطائفة الشيعية الثقة بأنّ حمايتهم، ومكانتهم السياسية، ومصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، لن تتراجع بمجرد أن تصبح أسلحة الحزب جزءاً من الدولة”.- تحدّث عزيز عن “مقايضة” ترجمت من خلال زيارة عون لواشنطن ولقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الذي وعد بأنّ “الولايات المتّحدة ستساعد لبنان بشكل جوهريّ، في مقابل سعي عون إلى الحصول على دعم مستمرّ للقوّات المسلّحة والضغط باتّجاه انسحاب إسرائيليّ كامل، وهذه المقايضة “تخضع الآن للاختبار”، بمعنى أنّها لم تنجح حتّى الآن. وقال عزيز: “على التزام واشنطن أن يتحوّل إلى سياسة”.

تدخّلوا فوراً

– يُشدّد المقال على أنّ الجيش اللبنانيّ يحتاج إلى أكثر من إعلان أنّه “الجهة الأمنيّة الشرعيّة” في سياق مشروع بسط سلطة الدولة، مؤكّداً أنّ “الدعم الأميركيّ يجب أن يكون على شكل مساعدات عسكريّة مستدامة وتدريب ودعم مؤسّساتيّ تمكّن الجيش من الانتشار في المناطق المتنازَع عليها، وتولّي المسؤوليّات الأمنيّة التي كانت تؤدّيها الجهات المسلّحة”.

– كبرى رسائل المقال تحذير عزيز من “أنّ استمرار الاحتلال الإسرائيليّ يمكن أن يؤدّي إلى نتيجة عكسيّة للهدف المعلن من اتّفاق الإطار. فإذا بقيت إسرائيل في الأراضي اللبنانيّة، يمكن لـ”الحزب” أن يقول إنّ التفاوض لم يؤدِّ إلى الانسحاب الإسرائيليّ، وبالتالي سلاحه لا يزال ضروريّاً لحماية لبنان. وإيران ستكون بدورها مستعدّة للاستفادة من هذه النتيجة”!

من هنا تحديداً أتت فكرة عنوان المقال المثير للانتباه، والذي يجزم كثر بأنّه رسالة تحذير أساسيّة لواشنطن: تدخّلوا أو ينتصر منطق “الحزب”! وعزيز قالها على طريقته: “اتّفاق كان يفترض أن يقوّي الدولة اللبنانيّة، ويقلّص الدور العسكريّ لـ”الحزب”، قد يعيد إنتاج الظروف التي يستمدّ منها “الحزب” حجّته السياسيّة والعسكريّة للاحتفاظ بسلاحه”.

المعاملة بالمثل

– يتحدّث عزيز عن مفهوم المعاملة بالمثلreciprocity التي يجب أن تكون عمليّة وتنفيذيّة، وليس فقط على الورق، بمعنى لبنان عليه التزامات وكذلك واشنطن وإسرائيل، وهي مطالب لا تتعارض مع بعضها البعض، بل هي “الشروط التي يجب أن يعمل تحتها الاتّفاق”. الترجمة العمليّة: “على إسرائيل الانسحاب، لا أن تستخدم استمرار وجودها العسكريّ وسيلة للضغط من أجل تحقيق نتائج سياسيّة داخل لبنان”.

الجيش

ملاك عقيل- اساس

مقالات ذات صلة