🟠ملف “أمّ القضايا” انفجار المرفأ… مجدّداً أمام تضارب الصّلاحيّات؟

ملفّ المرفأ مجدّداً أمام تضارب الصّلاحيّات؟

 

تجاوز ملفّ انفجار المرفأ محطّة مفصليّة وحسّاسة بتقديم النيابة العامّة التمييزيّة، ممثّلة بالمحامي العامّ التمييزيّ القاضي محمّد صعب، مطالعتها بالأساس في ملفّ التحقيقات المحال إليها من المحقّق العدليّ طارق البيطار في 30 آذار الماضي.

مطالعة القاضي صعب، التي أنجزها ووقّعها يوم الأحد الماضي، وقدّمها إلى البيطار يوم الثلاثاء في آخر يوم ضمن العطلة القضائيّة، سَردَت كامل الرواية، وحدّدت المسؤوليّات، وطلبت، وفق المعلومات، كفّ التعقّبات عمّن لا مسؤوليّة عليهم. كما أبدى صعب رأيه وطلباته بما خصّ المدّعى عليهم في القضيّة، ومن لم يشملهم التحقيق سابقاً، كما تطرّق إلى مسألة الاختصاص في ما يخصّ الملاحقات.

انفرد موقع “أساس” في مقال نشر في 3 آب الماضي بعنوان “القرار الظّنّيّ بانفجار مرفأ بيروت في تشرين“، بالإشارة إلى تقديم صعب مطالعته في النصف الثاني من أيلول، وأنّ المطالعة “ستتناول مسؤوليّة شخصيّة بارزة، وعلى مستوى عالٍ، لم يتناولها التحقيق سابقاً، ولم يتمّ الادّعاء عليها”.

تؤكّد المعلومات أنّ الشخصيّة المقصودة هي رئيس الجمهوريّة السابق ميشال عون، وقد حمّله المحامي العامّ التمييزيّ مسؤوليّة جزائيّة مباشرة بسبب علمه بوجود النيترات وعدم اتّخاذه الإجراءات المناسبة. وذلك بسبب تقرير أمنيّ مفصّل أحالته مديريّة أمن الدولة إلى الأمانة العامّة للمجلس الأعلى للدفاع في 20 تمّوز 2020 في شأن وجود كمّيّات ضخمة من نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12، ولم يعمد الرئيس عون آنذاك إلى طلب انعقاد جلسة استثنائيّة لمجلس الوزراء تُخصّص لدرس الأمر، بعد تبلّغه الكتاب، عبر الأمين العامّ للمجلس الأعلى للدفاع آنذاك اللواء محمد خير، أو عرض الأمر على المجلس الأعلى للدفاع، كما تقتضي صلاحيّاته الدستوريّة.

هذا مع العلم أنّ الحكومة عقدت جلستين لمجلس الوزراء في 21 و28 تمّوز، ولم يتمّ التطرّق إلى التقرير، أو إحاطة وزراء الأشغال والماليّة والداخليّة والدفاع بالأمر.

ردّ عون

أمس، تقدّم الرئيس ميشال عون بشكوى جزائية بجرائم “اختلاق الأضاليل والافتراء وإفشاء سرّية التحقيق”، على خلفية نشر أخبار تضمّنت معلومات عن مضمون مطالعة المحامي العام التمييزي. ورأى أنّ تداول أخبار كاذبة وترويجها من شأنه، بحسب الشكوى، تشويه الوقائع وتجهيل الفاعلين الحقيقيين وصناعة إدانة إعلامية خارج القضاء”، معتبراً أنّ “القضية لا ينبغي أن تتحوّل إلى “حسابات سياسية” أو إلى استثمار بدماء الشهداء”.

المرفأ 2؟

في اليوم نفسه لتسليم القاضي صعب مطالعته للقاضي البيطار، حدث ما لا يمكن تخيّله، ربّما لضرورة التعلّم من “الدرس”. عاد صعب إلى مكتبه وإلى “مناوبته” كمحامٍ عامّ تمييزيّ، فتلقّى اتّصالاً من فصيلة الجمّيزة، أقرب إلى إعطاء العلم فقط، يفيد بحدوث حريق في مرفأ بيروت لمستوعب من الورود الاصطناعيّة، وقُدّر السبب ارتفاع درجة الحرارة، حيث تمّت السيطرة على الحريق وإطفاؤه. لكنّ القاضي صعب طلب فتح تحقيق فوريّ في الحادثة في مخفر الجمّيزة، وطلب استدعاء مسؤولين كمسؤول البضائع، وضابط أمن المرفأ، وآخرين لتحديد المسؤوليّات، واتّخاذ الإجراءات القضائيّة المناسبة.

صدفة لها دلالاتها، وربّما الجانب الأهمّ فيها “درسٌ” آخر بأن يأتي تحديد المسوؤليّات في “أمّ القضايا”، انفجار المرفأ، بناءً على معايير العدالة والإنصاف، ورفع الظلم عن كلّ من لا مسؤوليّة عليه.

من جورجيا إلى لحظة الانفجار

تضمّنت مطالعة القاضي صعب وفق المعلومات سرداً مفصّلاً لشحنة الـ2,750 طنّاً من نيترات الأمونيوم منذ انطلاقها من مرفأ باتومي في جورجيا، حتّى رسوّها في مرفأ بيروت في تشرين الثاني 2013، ثمّ الحجز القضائيّ على الباخرة، وتفريغ أكياس نيترات الأمونيوم في تشرين الأوّل 2024 ونقلها إلى العنبر رقم 12، حتّى انفجارها في 4 آب، مع تحديد المسؤوليّات السياسيّة والأمنيّة والعسكريّة والقضائيّة والإداريّة، وإبداء الرأي في الإجراءات المتّخذة من قبل المحقّق العدليّ، ومسؤوليّات المدّعى عليهم ووفق أيّ موادّ جرميّة، تماماً كما من لا مسؤوليّة عليه، وتحديد خارطة طريق ما ترى النيابة العامّة وجوب المحقّق العدليّ القيام به قبل إصدار القرار الظنّيّ.

القاضي صعب حدّد مجموعة مبادئ، ومعايير موحّدة، وعلى أساسها حدّد المسؤوليّات، حيث سيعلم كلّ شخص معنيّ، إن كان مسؤولاً أو غير مسؤول، أيّ معايير تمّ تصنيفه وفقها لتثبيت الشبهة عليه، وفقاً للموادّ الجرميّة، أو إزالتها.

تسريبات وتكهّنات

أتت المطالعة، التي لخّصت آلاف الصفحات والمراسلات ومحاضر التحقيقات والاعترافات والشهادات، بـ260 صفحة، بعد عمل مضنٍ واستثنائيّ، بدأ فعليّاً بعد تفويض مدّعي عامّ التمييز القاضي أحمد رامي الحاجّ، في 9 حزيران، توقيعه على المطالعة لصعب الذي أعدّها حرفاً حرفاً، من دون أيّ تدخّل من المدّعي العامّ أو فريق قضائيّ مساعد، تحصيناً لقناعته القضائيّة من دون أيّ تأثيرات، أو تدخّلات قضائيّة وخارجيّة.

كان لافتاً جدّاً سيل التسريبات حول الأسماء والمسؤوليّات التي تدفّقت بعد تسلّم البيطار مطالعة صعب، لكنّ المعلومات تشير إلى أنّ معظمها مبنيّ على التكهّنات، خصوصاً لجهة المدّعى عليهم في القضيّة.

تضارب في الصّلاحيّات؟

قد يكون إحدى أهمّ النقاط الحسّاسة التي ستطبع المرحلة المقبلة تحديد صلاحيّة الملاحقة في ما يخصّ الرؤساء والوزراء، إضافة إلى القضاة. ويتوقّع كثر أن تكون مطالعة صعب قد تناولت هذه الإشكاليّة القانونيّة، خصوصاً لجهة اعتبار المحقّق العدليّ ليس صاحب الصلاحيّة في ملاحقة رئيس الجمهورية، وربما الوزراء.

تقول مصادر قضائية رفيعة لـ “أساس”: “إذا اعتبر القاضي البيطار نفسه صاحب الصلاحية في ملاحقة رئيس الجمهورية يمكن أن يلجأ إلى خطوات معيّنة قبل إصدار قراره الاتّهامي. أمّا إذا اعتبر هناك اختصاص للمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، فيصدر قراره الاتّهامي، ومن ضمنه يتوجّه إلى مجلس النواب يفيد بالمسؤولية الواقعة على رئيس الجمهورية أو وجود شبهة. ومتى فعل ذلك، يكون قد اقتنع بوجهة نظر القاضي صعب بأن المحقق العدلي ليس صاحب الاختصاص في الملاحقة، بل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء”.

هنا تشير أوساط مطلعة إلى أن “رئيس الجمهورية يحظى بوضع خاص بالنظر إلى مكانته الدستورية حيث تنصّ المادة 60 من الدستور على أن ” لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور او في حال الخيانة العظمى.أمّا التبعة فيما يختص بالجرائم العادية، فهي خاضعة للقوانين العامة ولا يمكن اتّهامه بسبب هذه الجرائم او لعلتيّ خرق الدستور والخيانة العظمى، إلا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبية ثلثي مجموع أعضائه، ويحاكم أمام المجلس الاعلى”.

هذا نصّ صريح مرتبط برئيس الجمهورية، وبالتالي، يمكن أن تتضمّن المطالعة رأياً قانونياً يفيد بأن ملاحقة رئيس الجمهورية لا تحصل سوى أمام المجلس الأعلى، فيما من يتّهم من الوزراء يبقى خاضعاً لاختصاص القضاء العدلي، كما سبق وأعلن المحقق العدلي نفسه. لكن ملاحقة رئيس الحكومة والوزراء أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يبقى الرأي القانوني الأرجح”.

تنسيق مستمر

بعد تسليم المطالعة، هناك مرحلة تنسيق مستمرّ بين المحقّق العدليّ والمدّعي العامّ حيال كلّ الإجراءات المتّخذة. قانوناً، لا شيء يُلزِم المحقّق العدليّ بالأخذ باستنتاجات المدّعي العامّ، الممثّل راهناً بالمحامي العامّ التمييزيّ القاضي صعب. لكن حين تكون المطالعة متطابقة مع القرار الاتّهاميّ يذهب القرار بزخم أكبر إلى المجلس العدليّ، ويعكس حجم الانسجام بين الطرفين.

حين يُصدِر المحقّق العدليّ قراره الاتّهاميّ تنتهي مهمّته. لكنّ النيابة العامّة التمييزيّة تبقى حاضرة في محاكمات المجلس العدليّ لتمثّل الحقّ العامّ، واستناداً إلى ذلك يُدافع القاضي صعب عن مطالعته، ويُكمّل المحاكمات حتّى صدور الحكم، وقد يرتئي استدعاء شهود.

حتّى الآن، لا معلومات تفيد أنّ القاضي البيطار سيلجأ إلى أيّ إجراء، بناء على مطالعة صعب، قبل إصداره القرار الاتّهاميّ. إذ يستطيع، قانوناً، أن يتّخذ إجراءات معيّنة كأن يصدر مذكّرات توقيف بحقّ بعض الأشخاص قبل إصدار قراره الاتّهاميّ. وتُنفّذ الاستنابات من قبل الأجهزة الأمنيّة، قبل أن يذهب الملفّ إلى المجلس العدليّ، مع العلم أنّ أغلبيّة من تمّ الادّعاء عليهم جرى الاستماع إليهم أكثر من مرّة، من خلال المراحل المتعدّدة التي شهدها الملفّ. فالمحقّق العدليّ يدّعي، وأمّا النيابة العامّة التمييزيّة فتطلب الادّعاء، عند الشبهة الجدّيّة، وليس بالضرورة اليقين، لأنّ المحكمة هي التي تحكم باليقين.

ملاك عقيل- اساس

مقالات ذات صلة