🟠 خاص – في عيد ميلاده الـ69… كاظم الساهر “بلا عنوان”

رحاب ضاهر

في وقت يقترب كاظم الساهر من عيد ميلاده التاسع والستين، يعود بألبوم جديد اختار له اسم “بلا عنوان”، طرحه في أواخر آب الماضي، بعد أن سبق وأطلق عدداً من أغنياته منفردة.

كان “القيصر” وعد جمهوره بالعودة إلى الأغنية العراقية، وهو ما فعله في “بلا عنوان”، لكن هذه العودة لا تبدو بحثاً عن كاظم التسعينيات، ولا محاولة لاستعادة موسيقى البدايات، بقدر ما تبدو رغبة في اكتشاف ما يمكن أنْ يفعله اليوم بهذه اللهجة، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجربة.

“عشر دوخات”.. روح المرحلة

تأتي “عشر دوخات” من كلمات الشاعر الراحل كريم العراقي، وألحان الساهر، وتوزيع محب الراوي، لتمنح هذه العودة وجهها الأكثر حنيناً، فالأغنية تستعيد شيئاً من روح المرحلة التي جمعت الساهر بالأغنية العراقية، وتحمل في كلماتها وأدائها ظلالاً من التسعينيات، فيما يُعيد حضور كريم العراقي إلى الذاكرة واحدة من أهم الثنائيات في مسيرة كاظم، لهذا تبدو الأغنية أقرب إلى مصافحة مع الماضي منها إلى عودة كاملة إليه، فالحنين موجود، لكنه لا يتحول إلى مشروع لاستعادة ما مضى.

أما في باقي الأغنيات يتعامل الساهر مع الأغنية العراقية من موقع مختلف؛ فهو لا يكتفي بأنْ يكون صوتاً يؤدّيها، بل يقترب أكثر من دور “صانع الموسيقى”، يكتب ويُلحّن ويشتغل على الجملة الموسيقية وبناء الأغنية وتفاصيلها، ليقدم أغنية عراقية حديثة تحمل هويتها من دون أنْ تكون أسيرة لما سبقها.

“أتت”.. الغرابة التي تكشف نفسها

في المقابل، تحل “أتت” – وهي بالفصحى ومن كلمات وألحان كاظم – في منطقة مختلفة. تبدو الأغنية عند الاستماع الأوّل غريبة في فكرتها، وتُعيد إلى الذاكرة، في جانب منها، أجواء “أكرهها”، حيث لا تأتي الحكاية العاطفية بالصورة المألوفة في أغنيات الساهر.

قد يحتاج المتلقي إلى أكثر من مرّة استماع حتى تتكشّف الأغنية، لكن هذه الغرابة سرعان ما تتحوّل إلى عنصر قوة، ومع تكرار الاستماع، تبدو أكثر تماسكاً، وتبرز كواحدة من أقوى أغنيات الألبوم من ناحية اللحن والتوزيع. كأنّ الساهر هنا لا يبحث عن أغنية تُفهَم من اللحظة الأولى، بل عن عمل يكشف نفسه تدريجياً.

حين تصبح الموسيقى هي الأقوى

أما”وشم” فاسمها أقوى من كلماتها، وبشكل عام، لا يبدو “بلا عنوان” من أقوى ألبومات كاظم الساهر شعرياً؛ فالكلمات ليست دائماً بمستوى ما قدّمه في أعمال سابقة، بينما تترك بعض الأغنيات أثرها من خلال اللحن والموسيقى أكثر مما تتركه من خلال النص.

في “وشم” تحديداً، يلفت بناء الأغنية ولحنها ومساحاتها الموسيقية أكثر من كلماتها، وتبدو هذه المساحة الموسيقية واضحة في عدد من أغنيات “بلا عنوان”، حيث يمنح الساهر اللحن والتوزيع دوراً أكبر في تشكيل شخصية الأغنية.

“تدخنين”.. حين تُلحَّن الكلمات التي لا تُلحَّن

وتصل هذه الفكرة إلى واحدة من أكثر تجارب الألبوم تحدياً مع “تدخنين”، وهي قصيدة للشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة. النص كثيف ومفتوح على صور ومعانٍ لا تُقدّم نفسها بسهولة إلى اللحن، وهو ما يجعل الاقتراب منه تحدياً كبيراً لأي ملحن.

لكن الساهر لا يتجنّب هذا النوع من التحديات، بل يذهب إليه ويُقدّم القصيدة في ديو مع الفنانة سندي لطي. وفي الأغنية شيء يُعيد إلى الذاكرة أجواء “المحاكمة”، التي قدّمها مع أسماء لمنور، وإن جاءت التجربة هنا ضمن مشروع مختلف.

وقد يلاحظ المستمع تقاطعاً في بعض ملامح اللحن مع “المحاكمة”، لكن “تدخنين” تظل واحدة من أقوى أغنيات الألبوم موسيقياً. والأهم أنّها تكشف جانباً أساسياً من موهبة الساهر: قدرته على تلحين نصوص شعرية تبدو عصية على الغناء، وتحويلها إلى أغنيات تحتفظ بثقلها الشعري من دون أنْ تفقد روحها الموسيقية.

لماذا “بلا عنوان”؟

وسط هذا التنوع، يبقى السؤال الأكثر إثارة: لماذا اختار الساهر اسم “بلا عنوان” لألبوم لا تضم قائمته أغنية تحمل الاسم نفسه؟

ربما تعمّد أنْ يترك الألبوم “بلا عنوان” بالمعنى التقليدي، فالعنوان يضع العمل عادة داخل إطار مُحدّد، بينما تبدو تجربة الساهر الحالية أوسع من أنْ تُختصر في لون موسيقي واحد أو صيغة واحدة. يعود إلى العراقية، يقترب من القصيدة، ويجرّب في اللحن والتوزيع، من دون أنْ يضع الألبوم في قالب واحد.

لهذا يبدو “بلا عنوان” أقرب إلى وصف لحالته الفنية منه إلى اسم ألبوم فقط. بعد كل هذه السنوات، وبعد أنْ أصبح له لون معروف وصوت ومدرسة ارتبطت باسمه، يبدو كأنّه يترك لنفسه مساحة مفتوحة لما يمكن أن يصنعه لاحقاً.

وربما تكون المفارقة الأجمل في الاسم أنّه لا توجد أغنية اسمها “بلا عنوان”، لأنّ “بلا عنوان” هو عنوان المشروع كله. ألبوم لا يريد أنْ يختصر نفسه في أغنية واحدة، ولا في لون واحد، ولا في مرحلة واحدة من مسيرة صاحبه.

عيد ميلاد بصوت جديد

ومع اقتراب عيد ميلاده التاسع والستين، لا يبدو كاظم الساهر معنياً بالوقوف طويلاً أمام مرآة الماضي. يأتي عيد ميلاده هذه المرّة مُحاطاً بألبوم جديد، وبأفكار موسيقية مختلفة، وبفنّان لا يزال لديه ما يختبره ويقوله.

ربما تكون قيمة “بلا عنوان” الحقيقية في أنّه لا يحاول إثبات أنّ الساهر ما زال كما كان، بل يؤكد أنّه ليس مضطراً لأنْ يكون كما كان. يستطيع أنْ يعود إلى الأغنية العراقية من دون أنْ يعيش في ظل تجربته القديمة، وأنْ يقترب من قصيدة صعبة، وأنْ يُقدِّم أغنية تحتاج إلى أكثر من استماع، وأنْ يمنح الموسيقى مساحة أكبر حين لا تكون الكلمة هي العنصر الأقوى.

لذلك لا يبدو “بلا عنوان” ألبوم رجل يودّع مرحلة، بل ألبوم فنان يفتح باباً جديداً. وبينما يقترب من عامه الـ70، يثبت الساهر أنّ السنوات يمكن أنْ تغيّر الإنسان، لكنها لا تستطيع بالضرورة أنْ تُطفئ الفنان. وربما تختصر جملته في حديثه مع أنس بوخش حكايته كلها، حين قال بأنّه يُريد أنْ يبقى يغني على المسرح حتى آخر نفس في حياته. فبالنسبة إلى كاظم الساهر، لا يبدو الغناء مرحلة تنتهي، بل حياة يريد أنْ يعيشها كاملة، من أوّل نغمة إلى آخر نفس.

خاص Checklebanon

 

مقالات ذات صلة