🔶إسرائيل تحاول فرض واقع ميداني قبل جولة المفاوضات الجديدة!

بعد تسلّم لبنان معتقلاً لبنانياً من سجون الاحتلال، وتعهد بنيامين نتنياهو الإفراج عن خمسة آخرين، أعلن جيش العدو «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، متحدثاً عن منشآت تحت الأرض قال إنه دخل إليها وعمل على تحييدها. وفي الخلفية، عاد ملف «اليونيفل» إلى الواجهة بقوة، مع معلومات عن مساع فرنسية عبر مجلس الأمن لتشكيل قوة دولية تحل محلها في حنوب لبنان.

ثلاثة تطورات في المشهد نفسه: محتجزون يعودون إلى لبنان، وإسرائيل تثبّت وجودها العسكري في نقطة استراتيجية جنوباً، ومساعٍ للحفاظ على المظلة الدولية في الجنوب. فهل نحن أمام مجرد تزامن في الأحداث، أم أن هذه الملفات تلتقي عند مسار واحد يجري الإعداد له بعيداً عن الضوء؟

السؤال لا يعني افتراض وجود صفقة جاهزة أو اتفاق سري، ولا تتوافر في المعطيات الحالية أدلة تسمح بالجزم بذلك. لكن من الصعب قراءة كل ملف من هذه بمعزل عن الآخر.

ومساء أمس، أعلن نتنياهو أن «مرتفعات علي الطاهر لم تعد تشكل تهديداً لنا وقضينا على أعداد كبيرة من المسلحين»، فيما قال جيش الاحتلال إن قواته «عملت خلال المدة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في المنطقة الأمنية، وقد تم تحقيق سيطرة عملياتية على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها». وأضاف أن قواته اشتبكت مع عناصر من حزب الله داخل المنطقة، زاعماً «مقتل عدد منهم وفرار آخرين»، وأن العمليات الرامية إلى تحييد البنى التحتية تحت الأرض مستمرة بعد إخراج العناصر منها.

وبحسب البيان الإسرائيلي، فإن العناصر الذين كانوا داخل هذه المنشآت كانوا يعملون على إعداد وتنفيذ مخططات تستهدف إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي. وادعى أن العمليات التي نفذها خلال الأسابيع الأخيرة داخل المسارات تحت الأرض أدت إلى «تحييد القدرة» على استخدامها لتنفيذ عمليات ضد قواته أو داخل إسرائيل. وأضاف أنه عُثر داخل المنشآت على غرف عمليات ومستودعات للأسلحة وغرف للمولدات وأماكن للمكوث، إضافة إلى مرافق للاستحمام ومطبخ، معتبراً أن تجهيزها بهذه الصورة كان يتيح للعناصر البقاء فيها وإدارة القتال لفترات طويلة. ووصف هذه المنشآت بأنها «بنية تحتية استراتيجية» بُنيت على مدى نحو عقدين، مدعياً أنها خُطط لها ومُوّلت من إيران، ومؤكداً أن قواته ستواصل العمل على ما سمّاه «تطهير المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».

لكن المعطيات الميدانية التي تتحدث عن إخلاء المنشآت قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها، وعن وقوع عدة اشتباكات في المنطقة سقط خلالها شهداء وجرحى، ثم دخول القوات الإسرائيلية إلى منشأتين، تضيف بعداً آخر إلى المشهد.

فمنذ وقف إطلاق النار المفترض بعد الحرب الأخيرة، عملت المقاومة على إخراج المقاومين الذين حاصرهم العدو داخل بعض المنشآت العسكرية في مرتفع علي الطاهر، بعدما حاول جيش الاحتلال مراراً الوصول إلى داخلها. وبحسب المعطيات، تمكّنت المقاومة من إفشال هذه المحاولات تباعاً، بالتوازي مع تنفيذ عمليات لإخراج المقاومين على دفعات.

ولا تُعدّ المنشآت العسكرية في علي الطاهر منشآت قتالية بالأساس، إذ صُمّمت لأغراض لوجستية وللقيادة والاتصال والاحتماء، لا لخوض المعارك من داخلها. وبعد حرب عام 2024، قلّصت المقاومة اعتمادها عليها، وسحبت جزءاً كبيراً من تجهيزاتها ونقلته إلى مواقع أخرى، بعدما تعرّضت لضربات متواصلة على مدى 15 شهراً. وجاء ذلك في ضوء تقدير لدى المقاومة بأن العدو سيحاول السيطرة على هذه المنشآت في أي مواجهة مقبلة، وهو ما حدث في الحرب الأخيرة.

أما في الميدان، فلا تعتمد عمليات الدفاع عن مرتفع علي الطاهر، إلا في جزء محدود منها، على المقاومين الموجودين داخل المنشآت. فقد بنت المقاومة منظومة دفاعية خارجها، نجحت في التصدّي لهجمات العدو مراراً، ولا تزال هذه المنظومة قائمة. ومن هنا، لا تبدو ادعاءات جيش الاحتلال بشأن السيطرة الكاملة على مرتفع علي الطاهر دقيقة. فرغم سيطرته، قبل أسابيع، على بعض المنشآت الصغيرة فيه، لا يزال وجوده، حتى الآن، عند أطراف حرج علي الطاهر، من دون أن يتمكّن من التوغّل داخله. وإذا كان جيش العدو يحكم سيطرته، كما يدّعي، على المرتفع ومنشآته كلها، فلماذا يستهدف المنطقة بطائراته الحربية والمسيّرة وبالمدفعية بصورة شبه يومية؟ وآخر هذه الاستهدافات كان أمس، حين شنّت طائرات العدو غارتين على حرج علي الطاهر. فهل يستهدف قواته المسيطرة؟

الحملة على الجيش

في موازاة ذلك، علمت «الأخبار» أن الجانب الأميركي تولّى، خلال الأيام القليلة الماضية، قبل زيارة السفير ميشال عيسى إلى تل أبيب وبعدها، نقل ما وصفه بـ«ملاحظات» إسرائيلية على أداء الجيش اللبناني في الجنوب. وبحسب المعطيات، نقل عيسى أن القيادة العسكرية في جيش الاحتلال تراقب أداء الجيش اللبناني ولا ترى أنه يقوم بأي عمل وفق «اتفاق الإطار» وملحقه الأمني والتنفيذي. وتطالب إسرائيل الجيش بتنفيذ عمليات واسعة للبحث عن الأسلحة في مختلف المناطق الجنوبية، بما فيها مناطق بعيدة عن «المناطق التجريبية»، معتبرة أن عدم القيام بذلك سيجعل موافقتها على أي انسحابات من لبنان أكثر صعوبة.

في المقابل، أبلغت قيادة الجيش أركان الحكم في لبنان والقيادة العسكرية الأميركية أن إسرائيل لم تنسحب فعلياً من أي منطقة محتلة، وأنها لا تزال تمارس تدخلاً نارياً وتنفّذ خروقات في الأحياء التي تركتها في بلدة زوطر الغربية، كما لا تزال موجودة في بعض أحياء البلدة. كذلك، اعتبرت إسرائيل مناطق لا تخضع للاحتلال المباشر، لكنها تقع ضمن دائرة السيطرة النارية، جزءاً من «المنطقة التجريبية»، وهو أمر تعتبره قيادة الجيش غير صحيح. وبالتالي، فإن الجيش اللبناني لا يرى نفسه معنياً بتنفيذ مطالب إسرائيل في هذه المناطق.

وبحسب مصدر رسمي، فإن الجانب الأميركي فهم أن ما تطلبه إسرائيل يتجاوز مسألة ضبط السلاح، ويستهدف فعلياً التدخل في حياة أبناء القرى الجنوبية، سواء عبر تفتيش المنازل بناءً على معلومات ترد من جيش الاحتلال، أو السؤال عن أشخاص بعينهم، وصولاً إلى طلبات بالدخول إلى أملاك خاصة أو الوصول إلى أماكن لم يتمكن الجيش الإسرائيلي نفسه من الوصول إليها.

وقال المصدر إن الجيش اللبناني ليس في وارد تقديم هذه الخدمات، وإنه ما لم تبادر إسرائيل إلى الانسحاب الكامل من مساحة واسعة من المناطق المحتلة، فإن الاتفاق لا يكون قد نُفّذ من جانبها. وبالتالي، فإن الجيش اللبناني غير معني باتخاذ خطوات إضافية استجابة لهذه المطالب، علماً أنه يمارس، حيث ينتشر، بسط سلطته الكاملة، ولم ترد إليه أي إشارة إلى وجود أسلحة أو مسلحين في هذه المناطق.

وأضاف المصدر أن إسرائيل تسعى إلى التحريض على الجيش اللبناني ودفع قيادته إلى خيارات قد تفضي إلى صدام أهلي. وسبق لقائد الجيش، العماد رودولف هيكل، أن أبلغ كل من يعنيهم الأمر، من لبنانيين وأميركيين وغيرهم، أن الجيش يعرف أن مهمته الأساسية هي حماية الأرض والناس والحفاظ على السلم الأهلي ومنع أي تهديد له، وأنه غير معني بتنفيذ المطالب الإسرائيلية.

الاخبار

مقالات ذات صلة