🟠العين العسكرية لنتنياهو: تأجيل الانتخابات 60 يوماً…وتحقيق هدفين مزدوجين؟

العين العسكرية لنتنياهو: تأجيل الانتخابات 60 يوماً؟
تتجاوز العمليّات العسكريّة الأخيرة في تلّة “عليّ الطاهر” في قضاء النبطيّة وبلدة “المنصوري” في قضاء صور السعي الإسرائيليّ إلى تحقيق مكاسب ميدانيّة موضعيّة لتكشف عن استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض سيطرة ناريّة مباشرة على أكبر مركزين حضريَّين وديمغرافيَّين في الجنوب: النبطيّة وصور. وبين تعقيدات شبكة الأنفاق في الشرق، والامتداد الساحليّ في الغرب، تبدو تل أبيب وكأنّها تسعى إلى توظيف التطوّرات العسكريّة لتحقيق مكاسب تتقاطع مع حسابات وسياسات داخليّة معقّدة.
تتميّز تلّة “عليّ الطاهر” بموقع استراتيجيّ شمال نهر الليطاني، حيث تطلّ بشكل مباشر على مدينة النبطيّة ومناطق إقليم التفّاح وجبل الريحان. يجعل هذا الموقع منها حجر الزاوية في منظومة الدفاع والسيطرة في القطاعَيْن الأوسط والشرقيّ.
أنفاق عليّ الطّاهر تتحدّى الحصار الإسرائيليّ
وفقاً لمعلومات “أساس”، لا يزال “الحزب” قادراً على إجراء تبديل للمقاتلين وإدخال كميّات محدودة من المؤن ومياه الشرب والمحروقات على الرغم من القصف الجوّيّ المكثّف وحالة الحصار الشديد. وتعود هذه القدرة إلى التشعّب الكثيف والتعدّد الكبير في مداخل المنشآت والأنفاق ومخارجها في تلك المنطقة ذات التضاريس المعقّدة، وإن كانت الكميّات الواصلة لا تفي بكامل الاحتياجات التشغيليّة.
في المقابل، تتزايد التحذيرات الجدّية التي تلقّتها أطراف عدّة من احتمال لجوء الجيش الإسرائيليّ إلى اعتماد أساليب غير تقليديّة في التعامل مع الأنفاق، ومنها استخدام الغازات المؤذية أو الخانقة لحسم الموقف في أنفاق تلّة عليّ الطاهر. ويأتي هذا الاحتمال في ظلّ عدم ملاحظة أيّ تغيّر ملموس حتّى الساعة على الأرض في أعداد الوحدات الإسرائيليّة أو نمط تحرّكاتها الميدانيّة، على الرغم من تصاعد وتيرة الضربات الجوّيّة التمهيديّة وتكرار تلويح المسؤولين الإسرائيليّين بشنّ عمليّة عسكريّة واسعة للسيطرة على التلّة والمنشأة الموجودة في داخلها.
لا تقتصر أهميّة “عليّ الطاهر” على الجانب العسكريّ. إذ تنطوي السيطرة عليها على مكاسب سياسيّة وعسكريّة مركزيّة لرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو قبل استحقاق الانتخابات التشريعيّة. وتشير أحدث استطلاعات الرأي داخل إسرائيل إلى تراجع ائتلاف اليمين بقيادة حزب “الليكود” أمام المعارضة التي يتقدّمها نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت. وبالتالي يوفّر تحقيق نصر ميدانيّ في عليّ الطاهر رمزيّاً وميدانيّاً لنتنياهو الورقة التي يحتاج إليها لترميم شعبيّته.
أمّا السيناريو الآخر الذي تضع المصادر احتماله على الطاولة، فهو أن يؤدّي تصاعد المواجهة في عليّ الطاهر، في حال تدخُّل إيران بشكل مباشر لحماية ضبّاطها أو مستشاريها الموجودين في المنشأة، إلى تدحرج الأوضاع أمنيّاً وعسكريّاً نحو مواجهة إقليميّة. قد يمنح هذا السيناريو رئيس الحكومة الإسرائيليّة الذريعة القانونيّة لاستخدام صلاحيّاته في تأجيل الانتخابات لمدّة 60 يوماً. وتتيح هذه المناورة لنتنياهو تحقيق هدفين مزدوجين:
1– تحسين الأرقام الانتخابيّة: كسب الوقت ودفع موعد الانتخابات في محاولة لرفع أسهم اليمين عبر شحن الجبهة اللبنانيّة واستغلال الخطاب الأمنيّ. وفي هذهِ الحالة قد يُقدِم نتنياهو على توسيع الحكومة وضمّ المعارضة إليها لاستهلاكِ رصيدها الشّعبيّ.
2– انتظار واشنطن: تأجيل الاستحقاق الإسرائيليّ إلى ما بعد الانتخابات النصفيّة في الولايات المتّحدة، بما يتيح قراءة نتائجها والتعامل مع الإدارة المقبلة، سواء فاز الجمهوريّون أم الديمقراطيّون.
المنصوري بوّابة القطاع الغربيّ والحزام الأصفر
على الجبهة الساحليّة الغربيّة، تكتسب بلدة “المنصوري”، التي تقع جنوب مدينة صور وتبعد عنها نحو 12 إلى 13 كيلومتراً، أهميّة استثنائيّة بوصفها الحصن الساحليّ الأخير قبل الوصول إلى العمق الحضريّ لصور.
تكشف مصادر “أساس” أنّ الجيش الإسرائيليّ عمد طوال الفترة الماضية إلى تنفيذ تفجيرات واسعة في مشاع بلدة المنصوري ومجدل زون المجاورة. وترجّح التقديرات العسكريّة أن تكون هذه التفجيرات من أجل تحييد شبكات الألغام والعبوات الناسفة التي زرعها مقاتلو “الحزب” في الآونة الأخيرة للعرقلة والسيطرة.
تتزامن هذه التفجيرات والعمليّات مع قصف مدفعيّ وجوّيّ مكثّف يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض منطقة عزل تمنع أيّ تقدّم أو انتشار لقوّات الجيش اللبنانيّ، وفي الوقت نفسه تقطع الطريق أمام أيّ محاولات تسلّل أو تسلُّم لمواقع جديدة من قبل مقاتلي “الحزب”. وكان “الحزب” قد دفع في الأسابيع الأخيرة بتعزيزات ومقاتلين استقدمهم من البقاع نحو منطقة القطاع الغربيّ، وذلك بعد التقاط مؤشّرات عسكريّة وسياسيّة تشير إلى نيّة الجيش الإسرائيليّ التوغّل نحو المنصوري.
ما يعزز هذه الفرضيّة هو إقدام الجيش الإسرائيليّ رسميّاً على ضمّ المنصوري إلى “الخطّ الأصفر”، وذلك بعدما كانت البلدة خارج هذا التصنيف في المراحل السابقة، وهو ما يُعدّ تمهيداً ميدانيّاً لفتح محور تقدّم ساحليّ نحو صور.
لكنّ السيطرة على المنصوري لا تعني فقَط تضييق الخناق على مدينة صور، إذ إنّها إحدى النّقاط الأساسيّة من النّاحية العسكريّة للتّوغّل نحوَ وادي زبقين الذي يضمّ منشآت عسكريّة ضخمة للحزبِ، كانَ الجيش اللبنانيّ قد دخلها في الأشهر التي سبقَت الحرب وصادر منها آلاف الصّواريخ والقذائف والمُسيّرات.
كما يُعدّ وادي زبقين منطقةً استراتيجية ذات أهمية معنوية، ولا سيما في ظلّ نية إسرائيل التوغّل فيه لتفجير الأنفاق والمنشآت التي صادرها الجيش اللبناني وأغلق مداخلها، بسبب افتقاره إلى الأدوات اللازمة لتفجيرها. وتأتي هذه الخطوة في إطار محاولة الضغط على الدولة اللبنانية، والإيحاء بأن الجيش لم يُنجز مهمته، رغم أن ما قام به جرى توثيقه من قبل القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، بما قد يتيح لإسرائيل استخدام هذا الملف كورقة ضغط في المفاوضات. ويضاف إلى ذلك البعد الرمزي الذي تحمله «زبقين»، والذي قد تسعى إسرائيل إلى توظيفه في سياق الانتخابات الإسرائيلية.
خناق ناريّ على صور والنّبطيّة
توضح القراءة المتأنّية للتحرّكات الإسرائيليّة في عليّ الطاهر والمنصوري أنّ الرهان الإسرائيليّ لا يتوقّف عند حدود السيطرة على قرية أو تلّة، بل يستهدف تقطيع أوصال الجنوب وإحكام الحصار الناريّ عليه. فسقوط منشأة علي الطاهر يعني كشف النبطيّة وإقليم التفّاح وساحل الزهراني وطريق البقاع الغربيّ أمنيّاً وعسكريّاً وجعلها تحت مرمى المراقبة والنيران المباشرة، في حين أنّ السيطرة على المنصوري تفتح الطريق نحو الساحل وتضع مدينة صور تحت طوق عسكريّ مباشر.
بين الحسابات الانتخابيّة في تل أبيب والترتيبات اللوجستية في أنفاق الجنوب، تظلّ المنصوري وعليّ الطاهر نقطتَي ارتكاز ستحدّدان شكل المرحلة المقبلة من الصراع ومآلات الضغوط الدبلوماسيّة والميدانيّة على حدّ سواء.
ابراهيم ريحان- اساس



