🟠 خاص – أم كلثوم وفيروز… حين يتحول الاختلاف في الذوق إلى معركة

رحاب ضاهر

بين فترة وأخرى، يعود على منصة “إكس” السؤال نفسه: أم كلثوم أم فيروز؟، ومَنْ منهما تستحق لقب الأفضل؟ مقارنة تبدو في ظاهرها فنية، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود الصوت والأغنية لتتحوّل إلى صراع بين أجيال وذاكرات وأذواق، وتفتح باباً للهويّة والانتماء والتعصّب. فمع كل موجة جديدة من النقاش، لا يدافع المتابعون فقط عن مطربة يفضلونها، بل عن تجربة فنية شكّلت وجدانهم وذاكرة ارتبطت ببيئتهم وثقافتهم.

المثير أنّ الخلاف لا يدور فقط حول مَنْ تملك الصوت الأقوى، بل حول “ما الذي يجعل المطربة عظيمة؟”، فهناك مَنْ يقيس “العظمة” بقوّة الصوت والمساحة الصوتية والقدرة على الطرب والارتجال والسيطرة على المسرح، وهي معايير يستند إليها كثير من أنصار أم كلثوم، إلى جانب ضخامة مشروعها الفني وشراكاتها مع كبار الشعراء والملحنين وتأثيرها التاريخي في الموسيقى العربية.

https://x.com/gorgeous4ew/status/2090568979962073486?s=20

في المقابل، لا يدخل الدفاع عن فيروز دائماً من باب القوّة الصوتية أو الاستعراض الطربي، بل من باب آخر: الأثر والذاكرة. صوت الصباح، الأغنية التي ترافق تفاصيل الحياة اليومية، التجربة المرتبطة بالرحابنة والمسرح والأغنية اللبنانية، والقدرة على الوصول إلى أجيال متعاقبة من دون أنْ تفقد الأغنية حضورها، لذلك يرى جمهورها أنّ معيار “العظمة” لا يُقاس بالقدرة الصوتية وحدها، بل بما تتركه الأغنية من أثر وقدرتها على البقاء في الذاكرة.

وهنا تتضح المشكلة في المقارنة نفسها؛ فأم كلثوم وفيروز لم تُقدّما المشروع الفني ذاته، ولا تنتميان إلى المدرسة نفسها. ومع ذلك، يحاول الجمهور على “إكس” وضعهما في ميزان واحد، وكأنّ هناك مقياساً واحداً يمكن من خلاله إعلان فوز إحداهما. فيتحوّل النقاش أحياناً إلى ما يشبه مباراة: الصوت لأم كلثوم، الحضور والطرب لها أيضاً، بينما يذهب آخرون إلى فيروز في الانتشار اليومي والارتباط بالذاكرة، فيما تبقى الأغنية الخالدة في خانة الاثنتين.

https://x.com/AlraiMediaGroup/status/2089813189449912324?s=20

حتى فكرة المقارنة نفسها تجد مَنْ يرفضها بالكامل، معتبراً أنّ وضع الصوتين في منافسة ينتقص من تجربتين تنتميان إلى عالمين فنيين مختلفين. ليظهر “طرف ثالث” يرفض اختزال تاريخ الغناء العربي أصلًا بـ أم كلثوم وفيروز، ويستعيد أسماء مثل وردة، صباح، شادية، نجاة الصغيرة، فايزة أحمد وسواهن، وكأنّ الجدل نفسه يكشف مشكلة أوسع: لماذا نحتاج إلى اختيار صوت واحد عندما تكون الذاكرة الغنائية العربية بهذا الاتساع؟

لكن مع احتدام النقاش، تتراجع الموسيقى نفسها خطوة إلى الخلف، فحين يكتب مصري أنّ أم كلثوم لا تُقارن، أو يصر لبناني على أنّ فيروز خارج المنافسة، قد لا يكون الدفاع عن مطربة فقط، بل عن ذاكرة وبيئة وصورة ثقافية ارتبطت بها تلك المطربة. عندها يصبح المساس بالاختيار الفني قريباً من المساس بما يمثّله هذا الاختيار في وجدان صاحبه.

هنا تحديداً تتحوّل المقارنة من اختلاف في الذوق إلى اصطفاف في الهوية: أم كلثوم مقابل فيروز، مصر مقابل لبنان. ومع احتدام النقاش، لا يعود الخلاف متعلّقاً بما تقدّمه كل واحدة منهما فنيّاً، بل بما تمثّله في ذاكرة جمهورها؛ فتتحوّل المفاضلة بين صوتين إلى دفاع عن ذائقة وهوية وانتماء، وبذلك، لا يعود السؤال الحقيقي: “مَنْ الأفضل، أم كلثوم أم فيروز؟”، بل لماذا نتحوّل، كلما اختلفنا حول الفن، من الدفاع عن ذائقتنا إلى الدفاع عن هويتنا؟، ولماذا يصبح الاعتراف بعظمة صوت لا نفضّله وكأنّه تنازل عن شيء يخصنا؟

https://x.com/JMMahameed/status/1163196733435891713?s=20

ربما لأنّ أم كلثوم وفيروز تجاوزتا منذ زمن حدود الأغنية والمطربة. كل واحدة منهما أصبحت جزءاً من ذاكرة جماعية، ولهذا لا يبدو الخلاف حولهما مجرّد نقاش موسيقي عابر. بدأ السؤال: مَنْ الأفضل؟ لكن النقاش ينتهي أحياناً بسؤال آخر: ماذا تمثّل لنا كل واحدة منهما؟

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة