🟠برّاك يتراجع: توضيح أم إعادة ضبط للرسالة؟

بعد أقلّ من أربع وعشرين ساعة على تصريحات أحدثت ارتباكًا سياسيًا في لبنان وغضبًا في إسرائيل، خرج المبعوث الأميركي توم برّاك لتوضيح موقفه من ملفَّي الجولان والمفاوضات اللبنانية، نافيًا أن يكون قد اقترح إشراك “حزب الله” وإيران في طاولة تفاوض جديدة، ومؤكدًا أنّ الولايات المتحدة تتعامل حصرًا مع الحكومة اللبنانية بصفتها “السلطة الشرعية الوحيدة”.

توضيح برّاك لم يكن تقنيًا فحسب. فالمبعوث الأميركي اضطر إلى ضبط رسالتين كان قد أطلقهما، السبت 22 آب، وفتحتا بابًا واسعًا للتأويل. الأولى، عندما وصف الجولان بأنه أرض لا تزال إسرائيل تحتلها خلافًا لقرارات الأمم المتحدة، والثانية عندما اعتبر أنّ المعضلة اللبنانية تكمن في غياب “أصحاب القرار” عن طاولة المفاوضات، محددًا “حزب الله” وإيران باعتبارهما طرفين لا يمكن تجاهل قدرتهما على التأثير في مسار أيّ تسوية.

الجولان أولًا… برّاك يتمسّك بسياسة ترامب

وفي توضيحه الجديد، قال برّاك إنّ تعليقاته بشأن الجولان كانت “وصفًا لسجل تاريخي معروف”، وجاءت في سياق شرح سبب عدم توقّعه ضمّ إسرائيل أيّ جزء من الأراضي اللبنانية.

وأوضح أنّ استشهاده بالأمم المتحدة كان يهدف إلى الإشارة إلى أنّ الأراضي التي تُنتزع بالقوة قد تبقى موضع نزاع لأجيال، وليس إلى إعلان تبنٍّ للموقف الأممي من وضع الجولان.

وشدّد برّاك على أنّ الرئيس دونالد ترامب “حدّد سياسة الولايات المتحدة بشأن الجولان في عام 2019، وهي لم تتغير”، في عودة واضحة إلى الاعتراف الأميركي الذي أعلنه ترامب خلال ولايته الأولى بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.

وجاء التوضيح بعدما أثارت تصريحات برّاك الأصلية هجومًا إسرائيليًا حادًا. فقد اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنّ كلام المبعوث الأميركي يتناقض مع سياسة ترامب، فيما وصف وزير الخارجية جدعون ساعر التصريحات بأنها تتضمن “مغالطات” وتتعارض مع الموقف الرسمي للولايات المتحدة.

وهكذا، أعاد برّاك وضع كلامه ضمن الإطار الأميركي التقليدي، بعدما بدا في التصريح الأول وكأنّه يفتح نقاشًا في ملف حسمته إدارة ترامب سياسيًا منذ عام 2019.

لبنان… لا طاولة جديدة مع “حزب الله”

أما في الشق اللبناني، فكان توضيح برّاك أكثر حساسية. إذ أكد أنّ الولايات المتحدة “تتفاوض مع الحكومة بصفتها السلطة الشرعية الوحيدة”، وأنّ إطار 26 حزيران الموقع في واشنطن مع الحكومة اللبنانية يمثّل، وفق تعبيره، “فرصة تاريخية لتحقيق السلام والازدهار في لبنان”.

ونفى برّاك أن يكون كلامه السابق دعوة إلى فتح طاولة تفاوض جديدة مع “حزب الله” أو إيران، موضحًا أنّه كان يصف تعقيد المشكلة القائمة، لا يقترح تغيير هوية الأطراف التي تتفاوض معها واشنطن.

وقال بوضوح إنّ “حزب الله منظمة إرهابية أجنبية مصنفة، ولا نتفاوض معه، ولا شيء مما قلته يشير إلى خلاف ذلك”. وتقاطعت هذه الصياغة مع توضيح نقلته وكالة “أسوشيتد برس”، التي أشارت إلى أنّ برّاك عاد ليؤكد عدم دعوته إلى إشراك الحزب أو إيران مباشرة في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.

لكنّ هذا التوضيح لا يلغي جوهر السؤال الذي طرحه برّاك أمس. فهو كان قد اعتبر أنّ جمع الأطراف اللبنانية حول الطاولة لا يحلّ وحده المشكلة، متسائلًا عمّن يملك القدرة الفعلية على اتخاذ القرار، قبل أن يشير إلى “حزب الله” وإيران وإلى الدور الإيراني في تمويل وتسليح الحزب.

وفي كلامه الجديد، أعاد صياغة الفكرة نفسها بطريقة أكثر دقة، قائلًا إنّ تنفيذ إطار حزيران يتطلب “محاسبة صريحة بشأن من يمتلك السلاح ومن يزوده به”.

وأضاف أنّ الأسلحة المعنية “تورّدها وتمولها إيران”، قبل أن يطرح سلسلة أسئلة، “ما الذي يحرّك إيران وحزب الله في نهاية المطاف؟ كيف يقبل حزب الله بنزع السلاح؟ ومن، غير طهران، يعيل مجتمعات الجنوب، بحيث يُستبدل التمويل الذي يعتمد عليه الغطاء السياسي لهذه الترسانة بشيء أفضل؟”.

اعتراض لبناني: الدولة هي صاحبة القرار

وكان كلام برّاك السابق قد أثار اعتراضًا لبنانيًا أيضًا، ولا سيّما من النائب غسان حاصباني، الذي وجّه إليه رسالة مفتوحة اعتراضًا على ما فهمه باعتباره اقتراحًا بالتفاوض مباشرة مع “حزب الله” بوصفه صاحب القرار الفعلي.

وشدد حاصباني على أنّ في لبنان “سلطة شرعية منتخبة” هي وحدها صاحبة الحق في اتخاذ القرار باسم الدولة والشعب، معتبرًا أنّ أيّ حل يجب أن يمر عبر المؤسسات الدستورية، وألا يؤدي إلى منح شرعية موازية لقوة مسلحة خارج الدولة. كما اعترض على مقاربة قوة “حزب الله” مقارنة بالجيش اللبناني، معتبرًا أنّ المعطيات الميدانية تغيّرت.

ويبدو أنّ توضيح برّاك الجديد يردّ، بصورة غير مباشرة، على هذا النوع من الاعتراضات، إذ أعاد التشديد على الحكومة باعتبارها المخاطَب الشرعي الوحيد للولايات المتحدة.

توضيح أم إعادة ضبط للرسالة؟

عمليًا، لا يتراجع برّاك عن تشخيصه لتعقيدات الملف اللبناني بقدر ما يعيد تحديد حدود ما قصده. فهو لا يقول إنّ إيران و”حزب الله” أصبحا شريكين تفاوضيين، بل إنّ أيّ خطة لنزع السلاح تحتاج إلى إجابة عن كيفية التأثير في الطرف الذي يمتلكه، وعن دور الدولة التي تموّله وتدعمه.

وهذا فارق أساسي. فواشنطن لا تريد، وفق التوضيح، إعطاء “حزب الله” صفة تفاوضية موازية للدولة اللبنانية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أنّ الاتفاق مع الحكومة لا يكفي وحده إذا لم توجد آلية قادرة على ترجمة التفاهمات إلى تغيير فعلي في معادلة السلاح.

أما في ملف الجولان، فيبدو التراجع أكثر وضوحًا. فحجم الاعتراض الإسرائيلي دفع برّاك إلى إعادة التأكيد أنّ سياسة ترامب لعام 2019 لم تتغير، وأنّ حديثه عن الاحتلال وقرارات الأمم المتحدة لم يكن إعلانًا لموقف أميركي جديد.

المدن

مقالات ذات صلة