🟠”الحزب” أمام اختبار التمويل: هل تتخلى عنه طهران؟
“الحزب” أمام اختبار التمويل
لم يعد مستقبل “حزب الله” في لبنان مرتبطًا بمصير سلاحه أو موقعه السياسي، بل بات يواجه سؤالا حساسًا: من سيموّل بنيته العسكرية والتنظيمية والاجتماعية إذا أعادت إيران ترتيب أولوياتها المالية؟سؤال فتحه محمد باقر خرازي صهر المرشد السابق علي خامنئي وأمين عام “حزب الله” في إيران، بإعلانه أن “الحزب” في لبنان لن يستطيع بناء موازنته ورواتب مؤسساته وشبكاته الاجتماعية على الأموال الإيرانية كما في السابق، داعيًا إلى توسيع الاعتماد على الاقتصاد المحلي والاستثمارات والتبرعات والزكاة والخمس. وقد استُدعي خرازي إلى المحكمة الخاصة برجال الدين، ووُضع قيد الملاحقة الجنائية على خلفية تصريحاته الأخيرة، بحسب ما أعلنه المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية أصغر جهانغير. ويمنح هذا التطور كلامه بعدًا سياسيًا إضافيًا.
خطورة هذا الطرح لبنانيًا لا تكمن في احتمال توقف الدعم الإيراني إذ لا مؤشرات حاسمة إلى قرار من هذا النوع، بل في إمكان إعادة صياغة آلياته ونقل جانب متزايد من كلفته إلى الداخل اللبناني. فخفض التمويل المباشر أو تنظيمه لا يعني بالضرورة تخلي طهران عن “الحزب”، وإنما قد يدفع إلى تعويض الفجوة عبر شبكات تجارية واستثمارية ومساهمات من البيئة المحلية والاغتراب إلى جانب التبرعات والموارد الدينية.
عند هذه النقطة يتحول الملف من شأن حزبي إلى قضية سيادية تمس الدولة واقتصادها. فكلما ارتفعت حصة الموارد المحلية في تمويل “الحزب”، ازدادت الحاجة إلى معرفة مصادر الأموال، وكيفية نقلها وتوزيعها، والقطاعات التي تتحرك عبرها. ويصبح السؤال متعلقًا بقدرة المؤسسات اللبنانية على منع نشوء دورة مالية موازية تستخدم الاقتصاد الوطني لتغطية نشاطات لا تخضع لرقابة الدولة.
هذا التحول المحتمل يضع “حزب الله” والدولة أمام اختبارين متزامنين. فـ”الحزب” مطالب بالحفاظ على جهاز واسع يضم مؤسسات عسكرية وتنظيمية وصحية وتربوية واجتماعية، فيما تواجه الدولة تحدي تطبيق قوانين مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وحماية النظام المصرفي والقطاعات التجارية من أي مخاطر إضافية. وبين الحاجتين، تبرز مسؤولية المؤسسات في إخضاع هذه الحركة المالية للقانون ومحاسبة المخالفين.
ولا تعني الرقابة استهداف النشاط الاقتصادي المشروع أو التبرعات القانونية، بل ضمان الفصل بينها وبين القنوات التي قد تموّل مليشيات مسلحة أو مؤسسات تعمل خارج الدولة اللبنانية. لذلك تصبح الشفافية والتدقيق وتطبيق القانون بالتساوي أدوات لحماية السيادة المالية، خصوصًا أن لبنان يسعى إلى استعادة الثقة العربية والدولية وإصلاح قطاعه المالي بعد انهيار أضعف قدرته على اجتذاب الاستثمارات.
وجاء كلام خرازي ضمن رواية أوسع عن تحولات داخل القيادة الإيرانية وإعادة تنظيم مراكز النفوذ المحيطة بمكتب المرشد مجتبى خامنئي. كما تحدث عن خلافات وفساد واختراقات أمنية، ووجّه اتهامات إلى شخصيات إيرانية، بينها وزير الخارجية عباس عراقجي
ويمتلك خرازي موقعًا داخل البيئة الدينية والسياسية الإيرانية، لكن موقعه لا يجعل كلامه قرارًا رسميًا صادرًا عن الدولة الإيرانية، ما يستوجب التعامل معه بوصفه مؤشرًا يستحق المتابعة.
المسألة، إذًا، ليست ما إذا كانت إيران ستقطع المال، بل كيف ستعيد توزيع أعبائه، ومن سيدفع الكلفة إذا تقلص التمويل المباشر. وقد يمنح الاعتماد على الموارد المحلية “الحزب” مرونة أكبر، لكنه يرفع في المقابل مستوى الاحتكاك بين بنيته المالية وسلطة الدولة اللبنانية، ويضاعف الضغوط على اقتصاد يعاني أصلا من النقد الموازي وضعف الرقابة وتراجع الثقة.
طارق ابو زينب- نداء الوطن



