🟠ليلة القبض على إنفانتينو: هل انتهى عصره؟

أما يزال إنفانتينو مؤتمناً على إدارة إمبراطوريّة كرة القدم؟

لم يعد ما يجري داخل الاتّحاد الدوليّ لكرة القدم خلافاً على صفقة تجاريّة فاشلة، ولا مواجهة عابرة بين رئيس “الفيفا” جياني إنفانتينو وبعض خصومه الأوروبيّين. البيان المشترك الذي أصدره الاتّحاد الأوروبيّ لكرة القدم والاتّحاد الآسيويّ واتّحاد أميركا الشماليّة والوسطى والكاريبي نقل الأزمة إلى مكان آخر تماماً: أزمة ثقة بالرجل الذي يدير كرة القدم العالميّة.

خرجت ثلاث كتل كرويّة كبرى بموقف مشترك تتّهم فيه إنفانتينو، عمليّاً، بالإخلال بالثقة والتصرّف بطريقة غير شفّافة في قضيّة المشروع الذي كان يهدف إلى إدخال مستثمرين في الحقوق التجاريّة المرتبطة بكأس العالم. والأهمّ أنّها طالبت بمراجعة مستقلّة لما جرى، في تطوّر يعني أنّ القضيّة لم تعد تتعلّق بإسقاط المشروع وحده، بل بمحاسبة من وقف خلفه وكيف اتُّخذ القرار.

هنا تبدأ “ليلة القبض على إنفانتينو” سياسيّاً، حتّى لو بقي الرجل حتّى الآن جالساً على كرسي رئاسة “الفيفا”.

من الصّفقة إلى أزمة الحكم

انفجرت الأزمة مع المشروع المثير للجدل المتعلّق ببيع حصّة في الحقوق التجاريّة لكأس العالم إلى مستثمرين خارجيّين. ومع تصاعد الاعتراضات، اضطرّ إنفانتينو إلى التخلّي عن المشروع، لكنّ التراجع لم يكن كافياً لإغلاق الملفّ.

بالنسبة إلى خصومه، لم تعد المشكلة في الصفقة نفسها، بل في الطريقة التي حاول من خلالها تمريرها، وفي حجم الصلاحيّات التي بات رئيس “الفيفا” يمارسها داخل المؤسّسة. لذلك تحوّلت المعركة سريعاً من سؤال: “هل تباع حصّة من حقوق كأس العالم؟”، إلى سؤال أخطر: أما يزال إنفانتينو مؤتمناً على إدارة إمبراطوريّة كرة القدم؟

هذا بالتحديد ما يجعل البيان المشترك خطيراً. فعندما تتّفق أوروبا وآسيا وكونكاكاف على توجيه انتقاد بهذا الحجم إلى رئيس “الفيفا”، يصبح الحديث عن عزلة إنفانتينو داخل جزء كبير من المنظومة الكرويّة أمراً يصعب تجاهله.

إسقاط إنفانتينو ليس بهذه السهولة.

في مقابل الجبهة التي تتشكّل ضدّه، يحتفظ رئيس “الفيفا” بدعم مهمّ، وخصوصاً داخل الاتّحاد الإفريقيّ، فيما صدرت مواقف داعمة له من اتّحادات بينها الأرجنتين والمكسيك. أمّا اتّحاد أميركا الجنوبيّة “كونميبول” فلم ينضمّ إلى البيان الثلاثيّ المناهض له.

هكذا تنقسم خريطة كرة القدم العالميّة إلى معسكرين: الأوّل يريد فتح ملفّ إدارة إنفانتينو ومحاسبته وربّما الوصول إلى رحيله، والثاني يرى أنّ تغيير القيادة يجب ألّا يتمّ تحت ضغط سياسيّ وإعلاميّ، وأنّ رئيس “الفيفا” لا يزال يتمتّع بشرعيّة انتخابيّة. تجعل هذه المعادلة المعركة المقبلة معركة أرقام بقدر ما هي معركة أخلاقيّة وإداريّة.

هل يمكن إسقاط إنفانتينو؟

الضغط السياسيّ والإعلاميّ وحده لا يكفي. يعرف إنفانتينو جيّداً طبيعة النظام الانتخابيّ داخل “الفيفا”، حيث تملك الاتّحادات الوطنيّة أصواتاً مستقلّة، ولذلك قد يمنحه الاحتفاظ بكتلة واسعة من الاتّحادات الإفريقيّة والآسيويّة والأميركيّة والاتّحادات الصغيرة شبكة أمان في مواجهة أوروبا. لكنّ الخطر الحقيقيّ يبدأ إذا انتقلت الاتّحادات المعارضة من إصدار البيانات إلى خطوات مؤسّساتيّة.

المطالبة بتحقيق أو مراجعة مستقلّة هي البداية. وإذا خلص أيّ تحقيق إلى وجود مخالفات إداريّة أو تضارب مصالح أو تجاوز للصلاحيّات، فإنّ الأزمة قد تنتقل إلى داخل مجلس “الفيفا” نفسه، وعندها يصبح بقاء إنفانتينو أكثر صعوبة. أمّا السلاح الأخطر فهو التلويح الأوروبيّ بمقاطعة مسابقات “الفيفا”. يرفع طرح المقاطعة بحدّ ذاته مستوى المواجهة لأنّ كأس العالم من دون المنتخبات الأوروبيّة الكبرى تتحوّل إلى بطولة مختلفة رياضيّاً وتجاريّاً وتسويقيّاً.

لا يبدو إنفانتينو، في المقابل، مستعدّاً للاستسلام.

“الفيفا” دافع عن رئيسه، وتحدّث عن حملة منظّمة تستهدف قيادته، مشدّداً على أنّ إنفانتينو رئيس منتخب، وأنّ مستقبل القيادة يجب أن يتحدّد عبر المؤسّسات والآليّات الديمقراطيّة داخل الاتّحاد، لا من خلال الحملات والاتّهامات.

هنا تدخل المعركة مرحلة شديدة الحساسيّة: كلّ طرف يتّهم الآخر بمحاولة السيطرة على كرة القدم العالميّة.

تتّهم أوروبا إنفانتينو بتركيز السلطة وإضعاف الشفافيّة، بينما يرى معسكره أنّ القوى الأوروبيّة التي فقدت جزءاً من نفوذها التاريخيّ داخل “الفيفا” تحاول استعادته عبر الضغط عليه.

هل انتهى عصر إنفانتينو؟

وصل التصعيد إلى حدّ إعلان رئيس رابطة الدوريّ الإسبانيّ خافيير تيباس أنّ “عصر إنفانتينو انتهى”. لكن بين إعلان نهاية الرجل وإخراجه فعليّاً من “الفيفا” مسافة طويلة.

لا يزال إنفانتينو يملك أوراقاً قويّة. لديه شبكة علاقات واسعة، اتّحادات تدعمه، وقدرة على المناورة داخل مؤسّسة يعرف توازناتها جيّداً. لكنّ ما خسره خلال الأيّام الأخيرة قد يكون أهمّ من الأصوات نفسها: الثقة.

يستطيع رئيس “الفيفا” النجاة من صفقة فاشلة، ويستطيع مواجهة الصحافة، وربّما يستطيع تجاوز هجوم “اليويفا”. لكنّ من الصعب على أيّ رئيس للاتّحاد الدوليّ إدارة كرة القدم إذا تحوّلت مجموعة من أكبر الاتّحادات القارّيّة إلى جبهة تتشكّك علناً في طريقة حكمه.

باتت ثلاثة سيناريوات مطروحة:

1- أن ينجح إنفانتينو في امتصاص الأزمة عبر تقديم تنازلات وضمانات لإصلاح آليّات اتّخاذ القرار وزيادة الشفافيّة، مستفيداً من دعم إفريقيا وعدد من الاتّحادات الأخرى.

2- أن تتوسّع الجبهة المعارضة، وتنجح أوروبا في استقطاب مزيد من الاتّحادات، وعندها يتحوّل الضغط إلى محاولة فعليّة لإنهاء عهد إنفانتينو.

3- وهو الأخطر، استمرار الانقسام ووصوله إلى البطولات نفسها، مع استخدام المقاطعة والحقوق التجاريّة والمسابقات أوراقاً في المواجهة. عندها لن تكون الأزمة أزمة رئيس “الفيفا”، بل أزمة النظام الذي يحكم كرة القدم العالميّة بأكمله.

إذاً ما حدث في الأيّام الأخيرة ليس القبض على إنفانتينو بالمعنى الحرفيّ، بل بداية محاولة القبض على سلطته.

هل يستطيع إنفانتينو البقاء رئيساً لـ”الفيفا” بعدما أعلنت ثلاث من أكبر القوى الكرويّة في العالم أنّ الثقة بقيادته اهتزّت؟

لن تحدِّد الجوابَ البياناتُ وحدها، بل ميزان القوى داخل الاتّحادات الـ211 التي تشكّل “الفيفا”. وهناك، تحديداً، ستبدأ المعركة الحقيقيّة.

اساس

مقالات ذات صلة