🟠اعتزالُ ميسي دولياً… إلى أين يقود الأرجنتين: مَن يحمل القميص رقم 10؟

بعد لحظات من الفوز المثير للأرجنتين على إنكلترا 2-1 في نصف نهائي كأس العالم، يوم 15 تموز في أتلانتا، توجَّهت مجموعة من الصحافيّين الأرجنتينيّين المخضرمين الذين غزا الشيب رؤوسهم، وعاينوا الكثير خلال تغطيتهم للمنتخب الأرجنتيني، إلى قاعة المؤتمرات الصحافية داخل ملعب «مرسيدس-بنز». لكنهم لم يختبروا شيئاً كهذا من قبل. وأقرّ أحدهم: «لا أستطيع أن أصدِّق ما يفعله هؤلاء الشبان»، فيما كان زميله على وشك البكاء، بعدما شهد انتصاراً آخر مؤثراً إلى حدّ الألم، للمنتخب الأرجنتيني بقيادة ليونيل ميسي.

ميسي (39 عاماً) ألهم انتصاراً على غريم تقليدي في واحدة من أكثر مباريات البطولة احتداماً. تجاوز مراقبيه في الشوط الأول، وفرض إيقاعاً على زملائه. ومع تراجع إنكلترا في الشوط الثاني، بحث عن الكرة وقاد عودة من النوع الذي سيبقى في الذاكرة. كان El enano (الرجل الصغير) يتحدّى حتى التوقعات المرتفعة التي أحاطت به.

وقبل أن يجلسا في مقعدَيهما، تعانق الرجلان، وقد غمرتهما تماماً مشاعر لحظة بدت وكأنها لحظة التتويج بكأس العالم. وصاحا معاً: «هيا يا أرجنتين!». لكن كان هناك شعور بأنّ كأس العالم 2026 سيكون آخر بطولة كبرى لميسي. ونحن نعلم الآن أنّه كان يخوض البطولة مثقلاً عاطفياً بسبب مرض والده خورخي الذي توفَّي في 8 آب عن عمر 68 عاماً. عندما يبكي ميسي، تبكي الأرجنتين معه. وأصبحت تلك الرابطة بينه وبلده غير قابلة للكسر خلال السنوات الـ4 الماضية. فقد أصبح ذلك النوع من الأبطال الوطنيّين الذي لطالما حلم بأن يكونه.

وفي 31 آب، أعلن ميسي اعتزاله اللعب مع المنتخب الأرجنتيني، بعد مسيرة امتدّت 21 عاماً، وشملت أكثر من 200 مباراة، 125 هدفاً و68 تمريرة حاسمة.

على الأرجنتين الآن أن تفكّر في مستقبل من دونه. مَن يجب أن يرث القميص الرقم 10 الذي ارتداه ميسي؟ وهل سيرحل المدرب ليونيل سكالوني أيضاً؟ هل هذه نهاية حقبة، أم أنّها الحقيقة القاسية التي تأتي بعد وداع غير مسبوق؟

الهالة التي لا تُمَس

قد لا يكون ميسي قد تجاوز الهالة التي لا تزال تحيط بشخصية دييغو مارادونا، على رغم من أنّ الأرجنتينيّين الأصغر سناً يعبدون ميسي بالطريقة نفسها تقريباً. لكن منذ الفوز بكأس العالم 2022، وعلى امتداد مونديال 2026، أصبح ميسي، اللاعب والقائد الذي لا يمكن تعويضه، أشبه بإله، وأصبح رمزاً لعودة الأرجنتين كقوّة كروية.

قبل عام 2022، كانت علاقة ميسي بمنتخب بلاده متقلّبة، وتكاد تكون سامة. وحتى بعد خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، سيخرج ميسي من القمة. وهذا يجعل الخطوة التالية للأرجنتين من دونه أكثر صعوبة.

مَن يحمل القميص رقم 10

بعد إعلانه اعتزاله اللعب دولياً، ظهرت في الأرجنتين دعوات إلى اعتزال القميص الرقم 10 الذي ارتداه ميسي منذ عام 2009، عندما نصّب مدرب المنتخب آنذاك مارادونا، ميسي وريثاً له. لكنّ لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تمنع المنتخبات الوطنية من سحب الأرقام من التداول.

وسيتعيَّن على شخص ما، أو ربما الأدق القول، عدة لاعبين، ارتداء القميص الرقم 10 من الآن فصاعداً. وقد يكون احتفاظ ميسي بالقميص الأيقوني لمدة 20 عاماً قد حوَّل عملية تسليمه المحتملة إلى تداول مستمر بين مجموعة من المرشحين، وربما يستمر ذلك على المدى الطويل.

وفي مرحلة ما بعد ميسي، فإنّ السؤال حول مَن سيرتدي القميص الرقم 10، ليس سوى ستار دخاني يخفي المهمّة التي تبدو أقرب إلى مهمّة هرقلية. فالانتقال إلى مرحلة جديدة من دون رجل يتحدّى كل مفاهيم النجومية لن يكون سهلاً.

مَن هو القائد المستقبلي؟

عندما جرى أخيراً طرح المدافع الغامض كريستيان روميرو في الصحافة الأرجنتينية باعتباره خليفة ميسي في قيادة المنتخب، هل تحرَّكت مشاعر أحد حقاً؟ روميرو (28 عاماً) ولاعبون آخرون يمتلكون مؤهلات القيادة، سيجدون أنفسهم أمام مهمّة لا تُحسد عليها، تتمثل في قيادة مشروع للمنتخب الأرجنتيني يتعيَّن عليه إدخال لاعبين أصغر سناً وأقل شهرة، إلى جانب مواهب تفتقر إلى الخبرة.

تطوّر أسلوب ميسي الفريد في القيادة من نجم خجول كان يتحدّث داخل الملعب، ويبدو أحياناً وكأنّه أُجبر على تولّي دور القيادة، إلى قائد مطلق يحيط به موالون مخلصون ويستحوذ على أقصى درجات الاحترام. أصبح سريع التذمُّر، مفرط التنافسية، وسهل الاستفزاز.

وعلى الأرجنتين، بوصفها أمّة كروية تفتقر إلى كثير من التواضع، أن تتقبَّل أنّ «أفضل لاعب في العالم» لم يعُد جزءاً من تشكيلتها الأساسية. وإذا بحثت الأرجنتين بنشاط عن بديل لميسي، كما فعلت عندما توقف مارادونا عن اللعب، فإنّ عملية البحث ستتحوَّل إلى مهمّة عبثية. جاء ميسي بعد مارادونا، في شهادة على التربة الكروية والحمض النووي اللذَين يمكن لكرة القدم الأرجنتينية أن تنتجهما.

إنّ توقع تكرار ذلك من الآن فصاعداً هو أقصى حالات الطموح الأعمى. مَن يستطيع أن يأتي بعد ذلك؟ والأفضل من ذلك، مَن قد يرغب في ذلك؟ وسيرتدي ميسي ألوان الأرجنتين للمرّة الأخيرة في 6 تشرين الأول، عندما تستضيف الأرجنتين دولة بنين الإفريقية على ملعب «إستاديو مونومنتال».

فيليبي كارديناس – نيويورك تايمز

مقالات ذات صلة