🟠نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ليست سابقاتها: هل أصبح لبنان عقدة التفاوض مع ترامب؟

يبدو أن الزيارة التي يقوم بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لا تشبه سابقاتها. فالرجل الذي تعمّد تسريب معلومات عن حمله “ملفاً استخباراتياً حساساً” يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، يذهب أيضاً وهو يحمل موقفاً معلناً برفض الانسحاب من جنوب لبنان وجنوب سوريا، في وقت تشير فيه مصادر أميركية وإسرائيلية إلى أن هذين الملفين سيكونان في صلب محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
في تل أبيب، جرى التركيز إعلامياً على إيران. أما في واشنطن، فتبدو الصورة أوسع. فإدارة ترامب تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بعد الحرب، وليس فقط إدارة الأزمات الأمنية المتفرقة. وضمن هذا التصور، يحتل لبنان موقعاً متقدماً، باعتباره الحلقة الأكثر حساسية بين الأمن الإسرائيلي ومشروع الاستقرار الذي تعمل عليه الإدارة الأميركية.
التسريبات الإسرائيلية لم تُخفِ وجود تباين في النظرة إلى المرحلة المقبلة. فنتنياهو سيبلغ ترامب رفضه الانسحاب من المواقع التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، كما سيعارض أي انسحاب من المناطق التي دخلتها إسرائيل داخل الأراضي السورية. بل إنه أعلن قبل مغادرته أن إسرائيل ستحتفظ بما يسميه “المنطقة الأمنية”، في إشارة إلى شريط يمتد على جانبي الحدود اللبنانية والسورية، ويراه ضمانة لمنع أي تهديد مستقبلي.
في المقابل، لا توحي المواقف الأميركية بأن واشنطن تتبنى المقاربة نفسها. فمنذ أسابيع، تتحدث أوساط دبلوماسية عن مساعٍ أميركية للانتقال من مرحلة العمليات العسكرية إلى ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، يكون الجيش اللبناني أحد عناصرها الأساسية، بما يسمح بتثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي، إذا توافرت الضمانات الأمنية المطلوبة.
ولا يبدو هذا الطرح منفصلاً عن المشروع الإقليمي الذي تتحدث عنه الإدارة الأميركية، والقائم على إعادة وصل مسارات النقل والطاقة والتجارة في المنطقة، من الخليج إلى شرق المتوسط. ففي أكثر من مناسبة، تحدث المبعوث الأميركي توم براك عن شرق أوسط مختلف، يقوم على الترابط الاقتصادي أكثر من المواجهة العسكرية، وهو ما يجعل استقرار الحدود اللبنانية جزءاً من رؤية أوسع، لا مجرد ملف أمني محدود.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الجنوب اللبناني من زاوية مختلفة. فالمؤسسة السياسية، ومعها جزء من المؤسسة الأمنية، تعتبر أن نتائج الحرب يجب أن تُترجم بوقائع ميدانية دائمة، لا بعودة إلى ما كان قائماً قبلها. لذلك، يُقرأ الإصرار على الاحتفاظ بـِ “المنطقة الأمنية” باعتباره محاولة لتكريس معادلة جديدة، لا مجرد موقف تفاوضي.
هنا تحديداً يبرز السؤال حول توقيت إعادة الملف الإيراني إلى الواجهة.
فواشنطن تتابع البرنامج النووي الإيراني بشكل يومي عبر أجهزتها، ومن غير المرجح أن تكون بانتظار معلومات إسرائيلية لتقدير مستوى التهديد. لكن إثارة هذا الملف عشية اللقاء قد تمنح نتنياهو ورقة سياسية إضافية، تسمح بإعادة ترتيب الأولويات داخل الإدارة الأميركية، بحيث يتقدم التهديد الإيراني على الملفات الأخرى، وفي مقدمها لبنان.
وتقرأ أوساط سياسية هذا الربط على أنه محاولة إسرائيلية لمنع انتقال الضغط الأميركي من الملف الإيراني إلى ملف الانسحاب من الجنوب اللبناني، خصوصاً أن إسرائيل تدرك أن أي تسوية إقليمية تسعى إليها واشنطن ستتطلب معالجة هذا الملف، وليس الاكتفاء بإدارته عسكرياً.
ولا يعني ذلك أن الخلاف بين الطرفين بلغ حد المواجهة. فالولايات المتحدة لا تزال تؤكد التزامها بأمن إسرائيل، كما أن ترامب لا يظهر استعداداً للدخول في صدام سياسي مع نتنياهو. لكن التباين يكمن في مقاربة ما بعد الحرب: إسرائيل تريد الاحتفاظ بأوراق ميدانية تمنحها هامشاً أمنياً واسعاً، فيما تبدو واشنطن معنية بتحويل الإنجاز العسكري إلى استقرار سياسي يفتح الباب أمام مشاريع إقليمية أكبر.
في هذا السياق، يصبح لبنان أكثر من مجرد بند على جدول الأعمال. فهو يشكل اختباراً مبكراً لقدرة الإدارة الأميركية على التوفيق بين دعمها التقليدي لإسرائيل، وبين رؤيتها لإطلاق مرحلة جديدة في المنطقة، عنوانها تخفيف بؤر التوتر، لا تثبيتها.
لذلكَ، قد لا يكون الأهم في لقاء ترامب ونتنياهو ما سيقال عن إيران، بل ما إذا كان الرجلان سيتوصلان إلى تفاهم حول مستقبل الجنوب اللبناني. ونتائج هذا النقاش لن تنعكس على الحدود اللبنانية وحدها، بل ستعطي مؤشراً إلى طبيعة المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، وإلى حدود التفاهم أو التباين بين واشنطن وتل أبيب في إدارة ملفات ما بعد الحرب.
غادة حلاوي- المدن



