🟠 خاص – وائل كفوري… الرهان الدائم على الأغنية

رحاب ضاهر
لا يكفي أن تصبح نجماً، فالأصعب أن تعرف كيف تبقى. في الفن، كثيرون يخشون الغياب لأنهم يعرفون أن الضوء قد يبحث عن غيرهم، لذلك يحرصون على الحضور الدائم، وعلى مواكبة كل موجة جديدة حتى لا يبتعدوا عن ذاكرة الجمهور. أما وائل كفوري، فاختار منذ البداية طريقاً مختلفاً. لم يبنِ نجوميته على كثرة الظهور، بل على أغنية يعرف أنها قادرة على الوصول إلى الناس مهما طال الغياب.
لهذا يصعب وضع وائل كفوري في خانة المنافسة التقليدية. فمنذ بداياته، لم يبحث عن لون يشبه السائد، بل صنع لنفسه مساحة خاصة. صوته وحده كان كافياً للتعريف به، وأسلوبه أصبح علامة يعرفها الجمهور من أول نغمة. وبينما تغيّرت أسماء كثيرة وتبدلت اتجاهات موسيقية عديدة، بقي وائل متمسكاً بالخيط الذي صنع هويته، يطوره من دون أن يفقد ملامحه.
قد تتشابه الأصوات أو تلتقي التجارب، لكن بعض الفنانين ينجحون في خلق عالم خاص بهم. ووائل كفوري من هؤلاء. هو لا يتعامل مع النجومية بمنطق الخوف، ولا يحاول أن يملأ المساحة بالظهور المستمر. يغيب حين يريد، ثم يعود فتستعيد أغنيته مكانها سريعاً، وكأن الجمهور كان ينتظرها.

هذا ما ظهر بوضوح هذا الصيف مع تعاونه مع الملحن طارق أبو جودة. لقاء جمع صوتاً يحمل تاريخاً طويلاً بملحن يعرف جيداً كيف يلامس هذا الصوت. لم يكن الرهان على أغنية سريعة أو فكرة عابرة، بل على اللحن والإحساس، على تلك التفاصيل التي جعلت الأغنية اللبنانية قريبة من القلب.
في “شو مشتقلي”، “سارقلي عمري” و”ما في غيرا”، بدا الانسجام واضحاً بين وائل وطارق. ألحان دافئة تحمل شيئاً من الحنين، لكنها لا تعيش في الماضي. فهي تستعيد روح الأغنية الرومانسية التي أحبها الجمهور، مع لمسة أكثر حداثة تناسب صوت وائل اليوم.
قوة هذا التعاون أنه لم يحاول إعادة إنتاج نجاحات قديمة أو نسخ أغنيات صنعت مجد وائل في بداياته. استعاد الإحساس والروح وذلك الشعور الذي يجعل المستمع يعود إلى الأغنية لأنه أحبها، لا لأنها فرضت نفسها عليه. وهنا تظهر قيمة طارق أبو جودة، الذي يعرف كيف يصنع لحناً يبقى، لا مجرد لحن يمر.
ولهذا السبب بدت أغنيات وائل هذا الصيف كأنها لقاء مع ذاكرة جميلة. تحمل شيئاً من الماضي، لكنها لا تعيش فيه. فهي تذكّر الجمهور بالصورة التي أحبها في وائل، وتكشف في الوقت نفسه عن فنان ما زال قادراً على تقديم نفسه بروح جديدة.
وكانت البداية مع “شو مشتقلي” الأغنية التي بدت كجسر بين وائل البدايات ووائل اليوم؛ إحساس مألوف، لكن بأداء أكثر نضجاً وتوزيع يحمل روح المرحلة الحالية. ثم جاءت “سارقلي عمري” و”ما في غيرا” لتؤكدا أن وائل لا يزال يعرف تماماً أين يقف، وماذا يريد أن يقول لجمهوره، من دون أن يتخلى عن أسلوبه أو يلاحق الموضة الموسيقية العابرة.
ولعل أكبر دليل على استمرار هذا الحضور ليس فقط نجاح الأغنيات، بل علاقة وائل بجمهوره على المسرح. فإعلان حفلتين متتاليتين يومي 1 و2 آب مع نفاد التذاكر ليس مجرد نتيجة لحملة دعائية، بل انعكاس لمسيرة طويلة من الثقة. فالفنان الذي يحافظ على جمهوره أكثر من ثلاثة عقود لا يعتمد على اللحظة، بل على رصيد صنعه مع الوقت.
إنه وائل كفوري؛ الفنان الذي لا يحتاج في كل مرة إلى أن يثبت أنه نجم. يكفي أن يعود حتى يعود معه ذلك الشعور الذي ارتبط به الجمهور منذ سنوات. ففي زمن تتغير فيه المعايير بسرعة، يبقى الحضور الحقيقي هو القدرة على أن تترك أثراً حين تغيب، وأن تجعل العودة حدثاً حين تأتي.
هذه ربما هي فرادة وائل كفوري: أنه لا يحتاج إلى مطاردة الضوء، لأن الضوء، ببساطة، يعرف طريقه إليه.

خاص Checklebanon



