🟠 خاص – عصام الشوالي… مُعلّق رياضي صنع ذاكرة للمباريات لا للأهداف فقط

رحاب ضاهر

انتهى كأس العالم 2026، وكما بعد كل بطولة كبرى، انشغل العالم بالحديث عن النجوم الذين صنعوا الحدث داخل المستطيل الأخضر. أما في العالم العربي، فهناك نجم آخر يفرض حضوره في كل مونديال وكل موسم كروي، حتى أصبح جزءاً من ذاكرة اللعبة نفسها.

إنّه عصام الشوالي، الذي تجاوز منذ سنوات دور “المعلّق الرياضي”، ليصبح صوتاً يرتبط بأكبر المباريات، وصانعاً لعبارات بقيت في الوجدان العربي كما بقيت الأهداف التي رافقتها. فبعض المباريات لا تبقى في الذاكرة بسبب نتيجتها فقط، بل بسبب اللحظة التي صنعتها، والصوت الذي رافقها. وهنا تكمن خصوصية عصام الشوالي؛ فهو لم يكن يكتفي بوصف ما يحدث أمامه، بل كان يمنح المباراة شخصية خاصة، ويُضيف إليها إحساساً يجعل المشاهد يشعر بأنّه يعيش الحدث لا يشاهده فقط.

https://www.youtube.com/shorts/RSY91PRSk2k

على مدار أكثر من عقدين، ارتبط اسم الشوالي بالعديد من اللحظات التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الكروية العربية.

  • فمَنْ ينسى افتتاحيته الشهيرة في “مونديال قطر 2022”: “إحنا العرب”، التي جاءت في لحظة تاريخية احتضنت فيها المنطقة أوّل كأس عالم على أرض عربية؟

  • ومنْ لا يتذكّر صرخته العفوية بعد تتويج الأرجنتين باللقب العالمي: “شيل يا طويل العمر… شيل”، التي تحوّلت إلى جملة يردّدها الجمهور لأنّها اختزلت فرحة انتصار بقيت في الوجدان؟

  • أما عندما تحدث عن ليونيل ميسي، فلم يكتفِ بوصف مهارات لاعب استثنائي، بل لجأ إلى لغة الشعر، مُستحضراً بيت المتنبي الشهير “مُتصرّفاً به”: “أنا الذي نظر الأعمى إلى قدمي…”، في واحدة من أكثر لحظات التعليق التي استعادها الجمهور، لأنّها لم تكن مُجرّد إشادة بلاعب، بل محاولة لوصف حالة كروية نادرة.

  • “واضرب يا بدري!”.. عندما سجّل أنيس البدري هدف الترجّي في نهائي “دوري أبطال إفريقيا 2018″، وهي من أكثر تعليقاته تداولاً.

  • “ريّحلك على الأريكة واستمتع بأبوتريكة”.. عبارة ارتبطت بالنجم المصري محمد أبو تريكة، وكان يردّدها في أكثر من مناسبة، تعبيراً عن متعة مشاهدة اللاعب.

  • “شنوا أحوال ظهرك يا بواتينغ؟” بعد مراوغة ليونيل ميسي الشهيرة لجيروم بواتينغ في نصف نهائي “دوري أبطال أوروبا 2015″، وأصبحت من أشهر تعليقاته وغيرها الكثير والكثير من الجمل التي يصعب حصرها.

ما يُميّز عصام الشوالي ليس فقط تلك الجُمّل التي حفظها الجمهور، وردّدها بعد انتهاء المباريات، بل الطريقة التي كان يصنع بها المشهد من خلف الميكروفون. بالنسبة إليه، لم تكن المباراة تسعين دقيقة من الركض والنتائج، بل حكاية لها بداية وتصاعد وذروة ونهاية. كان يدخل إلى تفاصيلها، يقرأ إيقاعها، ويمنح كل لحظة وزنها، وكأنّه يكتب نصّاً مُوَازياً لما يحدث على أرض الملعب.

هنا تحوّل التعليق الرياضي معه إلى فن لغوي، فقد جمع بين ثقافة المُعلّق التقليدي وسرعة بديهة المُعلّق العصري؛ استحضر الشعر العربي، واقتبس من التاريخ، واستخدم الأمثال والتعبيرات الشعبية، وانتقل بسلاسة بين الفصحى ولهجته التونسية، فبدا قريباً من الجمهور دون أنْ يفقد خصوصيته. لم تكن لغته استعراضاً ثقافيّاً، بل كانت دائماً في خدمة اللحظة؛ بيت شعر عندما تحتاج المباراة إلى الشعر، وعبارة عفوية عندما تحتاج إلى الفرح، وكلمة مؤثّرة عندما تصبح الكرة أكثر من مجرد لعبة.

https://www.youtube.com/shorts/VjTlSa4HbUI

فالشوالي يعرف أنّ بعض اللحظات لا تحتاج إلى وصف فقط، بل إلى إحساس. في النهائيات الكبرى، يكون لصوته وقع مختلف، يحمل رهبة المواجهة وحجم الإنجاز، وفي لحظات الانتصار يعكس فرحة الملايين الذين يتابعون من خلف الشاشات، لذلك هو ليس مُجرّد معلق على مباراة، بل جزء من تجربتها ومشاعرها، ولهذا ينتظر الجمهور العربي صوت عصام الشوالي قبل انطلاق العديد من المباريات الكبرى، لأنّ حضوره أصبح عنصراُ من عناصر المتعة. فهناك مَنْ يتذكّر الهدف، وهناك مَنْ يتذكّر النتيجة، لكن هناك أيضاً مَنْ يتذكّر الجملة التي رافقت تلك اللحظة، لأنّها أصبحت جزءاً لا ينفصل عنها.

هنا تكمن قيمة عصام الشوالي الحقيقية؛ فهو لم يصنع ذاكرة للأهداف فقط، بل صنع ذاكرة للكلمة. جعلها شريكة للصورة، وحوّل التعليق الرياضي من نقلٍ للحدث إلى صناعة للحظة، ليصبح واحداً من الأصوات التي لم تكتفِ بمرافقة تاريخ كرة القدم، بل ساهم في كتابته، فكم من هدف أصبح أجمل لأنّ الإعلان عنه كان بصوت الشوالي، وكم من مباراة عاشت طويلاً لأنّ كلماته منحتها معنى إضافياً.

بعد سنوات، قد تُنسى تفاصيل بعض المواجهات، وقد تختلط النتائج والأسماء، لكن ستبقى هناك جمل ارتبطت بلحظات لا تُنسى، وسيبقى صوت الشوالي حاضراً كلما عادت تلك اللحظات إلى الذاكرة، فبعض المُعلّقين يرافقون المباريات، أما عصام الشوالي فيبقى جزءاً من حكايتها.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة