خاص – “الست”… على طريقة شيرين عبد الوهاب!

خاص – رحاب ضاهر
بعد مرور عدة أشهر على عرضه في دور السينما، بدأت منصة شاهد عرض فيلم «الست»، الذي أثار موجة واسعة من الهجوم والدفاع، والشدّ والجذب، والانقسام الحاد في الآراء، بين مَنْ رأى فيه محاولة متعمّدة لتشويه صورة «الست»، ومَنْ دافع عنه بوصفه قراءة مختلفة لسيرتها.
لا يمكن إنكار أنّ الفيلم أكثر من رائع على المستوى الإخراجي، خصوصاً من حيث الصورة والديكور، ومحاولته استعادة أجواء “الزمن الجميل”، لكن الإشكالية في الطرح، وفي الزوايا التي اختيرت لفيلم صُنّف على أنّه “سيرة ذاتية”، والأدق أنْ نقول: جزء من سيرة، أو قراءة جزئية برؤية مختلفة.
ورغم أنّني لست من أنصار مقارنة الفيلم بالمسلسل ، إلا أنّ “الست” لم يخرج في نواحٍ كثيرة عن إطار مسلسل إنعام محمد علي، بل بدا وكأنّه يستعير منه ملامح واضحة، لكن عبر سيناريو “ركيك” وغير مكتمل النضج، يفتقر إلى البحث والاجتهاد، ولا يُقدّم جديداً يُذكر عن حياة “كوكب الشرق”.

أما ما أُثير حول “تشويه” صورة أم كلثوم، فيدفعنا إلى سؤال جوهري: هل كانت أم كلثوم شخصية معصومة، مثالية، أو ملائكية؟
هل كانت بخيلة؟ متكبّرة؟ متسلّطة؟ شرهة في التدخين؟ ربما.. وربما لا.
أم كلثوم أولاً وأخيراً فنّانة، والفن لا ينفصل عن مزاجية وطباع معقّدة، قد تكون أقل سوءاً مما صُوّرت، وقد تكون أكثر. المشكلة ليست في إظهار العيوب، بل في طريقة توظيفها. والحديث عن سير النجوم في العالم العربي غالباً ما يخضع لمنطق “التجميل والمجاملة”، ولو افترضنا أنّ أم كلثوم كانت تمتلك هذه الصفات، فهل يطيح ذلك بالأسطورة؟ قطعاً لا.
في ما يخص التدخين تحديداً، هناك صور موثّقة ظهرت فيها أم كلثوم وهي تدخّن. ولو كان الأمر مصدر خجل لها، لما مارسته علناً.
الفيلم لم يركّز على أعمال أم كلثوم، ولا على تعاونها التاريخي مع كبار الملحنين والشعراء، بل انحاز إلى تقديمها بعيداً عن الأضواء: امرأة وحيدة، منهزمة، كئيبة، مريضة… وفي لحظات كثيرة شعرتُ أنّنا أمام “أم كلثوم على طريقة شيرين عبد الوهاب”.

تفاصيل جوهرية غابت عن الفيلم، لصالح التركيز المفرط على المرض والاكتئاب، في حين أنّنا أمام سيرة فنية لامرأة غنّت حتى الخامسة والسبعين من عمرها، ومسيرتها تزخر بالتحوّلات والصراعات والانتصارات. بدا واضحاً غياب البحث الجاد، وعدم تقديم معلومات جديدة أو زوايا غير مطروقة عن حياة كوكب الشرق.
على مستوى التمثيل، تفوّق معظم المشاركين في أدوارهم. محمد فراج قدّم أحمد رامي بإتقان، وهو إضافة حقيقية لأي عمل. سيد رجب كان مميّزاً في دور والد أم كلثوم، وكذلك كريم عبد العزيز في دور شريف صبري، ونيللي كريم في دور الملكة نازلي.
أما الأسوأ، فكان تامر نبيل في دور القصبجي، ويليه – للأسف – منى زكي. لا لأنّ منى زكي لا تشبه أم كلثوم، فالمطلوب لم يكن الشبه الحرفي، والدليل أنّ صابرين لم تكن نسخة طبق الأصل، ومع ذلك تقبّلها الجمهور. الغريب أنّ منى زكي، في بعض مشاهد التقدّم بالعمر، بدت أقرب إلى أداء صابرين في المسلسل.
لا يمكن لوم منى زكي على قبولها دوراً بهذه الحساسية؛ فأي ممثّلة كانت ستحلم بتجسيد قامة فنية أسطورية كهذه. ومنى زكي فنانة موهوبة ومجتهدة، ومن النجمات القلائل اللواتي يعملن بجد على تطوير أدواتهن، لكن الحقيقة أنّ شخصية أم كلثوم أفلتت منها.
في مشاهد عديدة، كانت تحاول استعارة صوت أم كلثوم وطريقة كلامها، من دون أنْ تنجح في المزج بين الأداء والتقليد، فبدا الأداء متذبذباً وضعيفاً. كانت تخرج من الشخصية، وتشتّت حضورها، خصوصاً في مرحلة الشباب. أما المشاهد الكارثية بحق، فهي تلك التي تظهر فيها وهي تكتب مذكّراتها على الآلة الكاتبة.
وإذا أردنا الحديث عن أسوأ عناصر الفيلم، فالمكياج يأتي في الصدارة، وخصوصاً الشعر. باروكة رديئة، “منكوشة”، وصورة كاريكاتيرية، وأستغرب كيف وافق المخرج على ظهور “الست” أو منى زكي بهذا الشكل، الذي اقترب أحياناً من الكوميديا غير المقصودة.
منى زكي في “الست” بدت ضائعة ولم تستطع أنْ تخرج من ذاتها، ولم تستطع أنْ تكون أم كلثوم، ولا استطاعت أنْ تكون سعاد حسني.
Checklebanon



