🟠خاص شدة قلم: “ديبلوماسية الاستجداء” تسقط على عتبات “جمهورية الدليفري”!

من زحمة المطابخ حيث تُعدّ الطلبات، إلى صالونات السياسة الفارهة حيث تُطبخ المصائر، مسافة قصيرة قطعها “عامل توصيل” لم يحمل معه وجبات سريعة هذه المرّة، بل حمل “رتبة عقيد” وهمية وحقيبة مليئة بالأوهام.
قصة المواطن العراقي طارق النصراوي، أو “العقيد طارق الحسيني”، كما اشتهى أن يُسمّى، ليست مجرد خرق أمني أو حادثة انتحال صفة عابرة؛ بل هي مرآة مكسورة تعكس من جديد، تجاعيد القبح والانتهازية على وجه الطبقة السياسية اللبنانية.
“الزحف المُقدّس”
لم تكن فضيحة “عقيد الدليفري” إلا صدىً لضحكة تاريخية مُجلجلة بطلها “السنكري العكاري” مصطفى الحسيان، الذي حوّلته مُخيّلة السياسيين اللبنانيين اللاهثين وراء بريق “البترودولار” إلى “الأمير السعودي الوهمي أبو عمر”.
في تلك الحادثة، كما في حادثة اليوم، اللبنانيون مصدومون أمام مشهد انتهازي: مسؤولون وقيادات يتسابقون لتقديم فروض الطاعة، ظنّاً منهم أنّهم يُقبّلون يداً “ملكية” أو “عسكرية” ستفتح لهم مغاليق الحكم.
عقليات “صيّادي الفرص” التي لا تفرّق بين الثوب الأصيل والخرقة البالية، ما دام العطر المُفوّح منها يوحي برائحة السلطة أو المال الخارجي.
هذا التكرار الفجّ يثبت أنّ “العقل السياسي” في لبنان يعاني من “فوبيا فراغ التبعية”، فهو لا يستطيع التنفس إلا عبر رئة خارجية، حتى ولو كانت مُجرّد بالون هواء ينفخه “محتال” بذكاء.
بورصة الارتهان
نفس المشهد يتقمّصه الساسة اللبنانيون أجمعهم، حيث يتجلى “الذل الراقي” في أبهى صوره عندما يتحوّل السياسي اللبناني إلى “دليل سياحي” أو “تلميذ مُطيع” أمام كل وافد أجنبي.
فـ”اليمين المُتيم بالغرب” ينصب الولائم ويفتح زجاجات الشراب الفاخر في الجميزة وغيرها، ليس احتفاءً بصداقة دولية، بل استجداءً لـ”مسحة رضا” من “موظّف أميركي”، وكأنّ صكوك الغفران السياسية تُوزّع في أروقة الفنادق الكبرى.
أما “محور الطاعة المطلقة” فنجده مُستعبداً بفرح ورضا، تنفيذاً لسياسة “التكليف” التي تُلغي كيان الدولة لصالح “الفقيه” أو “المرشد”، حيث يُغلّف الخضوع الجيوسياسي بعباءة العقيدة، وتتحوّل التبعية من خطيئة سياسية إلى “واجب شرعي” لا يُناقش.
“في مُستنقعات المصالح”
ما كشفه “عقيد الدليفري” هو أنّ الكثير من ساسة هذا البلد هم “زواحف مصالح” بامتياز. لا تهمهم الهوية الوطنية بقدر ما تهمهم عتبات: الديوان الملكي السعودي، البيت الأبيض الأميركي، قصر الرئاسة العراقي، وصولاً إلى مقر المُرشد الإيراني، ليس لبحث شؤون الوطن، بل لأنّهم يلهثون خلف “ولي أمر” يمكّنهم من بلوغ “سن الرشد السياسي” ولن يبلغوه!!
فبين “سنكري” صار أميراً، و”عامل توصيل” صار عقيداً، يظل المواطن اللبناني وحده مَنْ يدفع “فاتورة التوصيل” من كرامته وأمنه ومستقبله. لقد أثبت هؤلاء السياسيون أنّهم لا يوالون وطناً، بل يوالون “السراب”، شريطة قدومه من وراء الحدود.

مصطفى شريف – مدير التحرير



