🟠خاص شدة قلم: «حسّان عيّاش».. خارجٌ من «الرماد».. عائدٌ إلى «العدم»!

رهائن العقيدة: حكاية شعبٍ استبدل “حاضر” بـ”شهيد“
تتأمل في ملامحه فتستوقفك هوّة سحيقة من الألم وعبثية الشعور.. تتساءل في صمت: أيُّ حكمةٍ تلك التي أخرجته من ركام الموت بلا خدشٍ أو جرح؟.. وجهٌ غائبٌ خلف غبار السنين.. يُحاكي في صمته ألف حكاية عن ربٍّ كريم شاء فأمر فكانت المشيئة..
هو “حسّان عياش”.. أو “حسّان الضابط” كما كان يحلو لـ”أهل الضيعة” مناداته.. روحٌ هائمة في ملكوت الوجود.. تطوي خلفها أسفاراً من عمر لا يعلم بؤسه إلا الله.. مرّ وعبَر الموت بمحاذاته فلم يُقرئه السلام.. لا سلام الشجعان ولا طمأنينة الشهداء.. بل تركه أيقونةً لإنسان كفّنه رماد القدر.. مُتمسّكاً بآخر خفقات الروح في صدره.. وكأنّها تأبى الانعتاق أو الرحيل “راضيةً مرضية”..
https://www.facebook.com/reel/941031605414871
رأيته في فيديو يوثّق اللحظات الأولى بعد الغارة.. يظهر حسّان عائد إلى الحياة وكأنّ شيئاً لم يكن.. لم يُغيّر فيه الدمار سوى مسحةٍ من ركامٍ رمادي.. تتأرجح بين “اللاأمل” و”اللانجاة”.. سوى أنّها جعلته أسير زنزانة الحياة المكتوبة.. بانتظار موعدٍ لم يحن بعد.
كانت عيناه كفيلتين برواية الحكاية.. حكاية الحق في الوجود تحت ظلال الأمن وفي كنف الاستقرار.. كان محني الرأس كسير الروح.. بانتظار “النومة الكبرى” التي لا استيقاظ بعدها.. نومة جافت مقله لحكمة ما.. نومة هانئة لا يقطع سكونها دويُّ حرب.. ولا غبار دمار أو نزفُ أحمرٍ قانٍ اختطف الأحبّة.. وتركه وحيداً على قارعة الزمن..

مَنْ هو؟ وإلى أين يمضي؟ ولماذا عاد إلى مسرح الفاجعة؟.. أسئلة أضعها برسم “حملة السلاح”.. هل يستحق رجلٌ لم يبقَ من عمره إلا هنيهات.. أنْ يقضي ما تبقى من عمره ذليلاً مدحوراً؟.. بلا سقفٍ يلمُّ شتاته.. ولا أرضٍ تحفظ كرامة جثمانه.. ولا أمنٍ يقيه صفعات القدر؟
تلك ليست قصّة حسان فحسب.. بل هي تراجيديا شعبٍ بأكمله.. شعبٌ رُهِنَ لعقيدةٍ حوّلته إلى “رهينة ذاته وإيمانه الأعمى”.. أسرته في سراب حكايا آخر الزمان.. فلم يعد يومه مِلكاً لأهله.. بل صار الغد المجهول هو السجّان.. حتى بات الطفل في مدرسته.. إذا ما نودِيَ عليه لتثبيت الحضور.. لا يجيب بكلمة “حاضر”.. بل يصرخ “شهيد”..
تلك مصيبة ألمّت بلبنان.. فجعلت الوجع يتجاوز القدرة على الاحتمال.. وحوّلت الحياة إلى مُجرّد “مشروع موت” مؤجّل.

مصطفى شريف – مدير التحرير



