🟠خاص – تحت أنقاض الكرامة.. الله يرحمك يا حاج “أبو علي”!
"كابوس الأمل" يقتل أهل الجنوب

في 28 نيسان الماضي نشرنا مقالاً تطرّقنا ما بين سطوره، إلى “رجل مُسن انحنى فوق ركام منزله، لا ساجداً لغير الله، بل ملتصقاً بآخر ما تبقى من رائحة الأرض”.
بالأمس القريب فارق الحاج حسين علي فقيه، “أبو علي”، ركام الحجر ليلتحم مع رماد العمر، منحنياً ليقبّل الأرض الطهور للمرّة الأخيرة، علّه يحمل معه ما تبقى من رائحة الذكريات وعطر سنين ضاعت في مهبّ الرياح العاتية.
في تلك البقعة المنسية من وجع الأرض، انحنى الحاج “أبو علي” ليلتمس آخر خيط من رائحة الانتماء، فرحل ليس بفعل بارود الأعداء، بل بتأثير “شهادة الصبر”، لأنّ قلبه الصغير لم يعد يتسع لهذا الحجم من “الهوان”، فتفتّت الروح قبل الجسد.
الموت وحده حرّر “أبو علي” من “كابوس الأمل”، حيث أدرك في لحظة تجلٍّ مريرة أن السقف الذي ستر شيبته، والجدران التي احتضنت ضحكات أحفاده، تحوّلت إلى تلال من غبار، فقرّر ألا ينفصل عن طينته، واختار “شهادة الصبر”، مفترشاً الدمار ورماد الذكريات.
“من التراب وإلى التراب نعود”، أعلنها “أبو علي” مُختاراً العودة إليه شامخاً، غير آبهٍ بدنيا زالت ملامحها، أو حاضرٍ تشوهت تفاصيله.
الوجع الحقيقي في رحيل هذا الرجل لا يكمن في انهيار سقف منزله، بل في انهيار معنى الحياة في ظل مشروع “الممانعة” الذي جعل من كرامة الإنسان وقوداً في محرّكات طموحاته العابرة للحدود.
لقد هُدرت كرامة “أبو علي” على مذبح “إنقاذ إيران عبر لبنان”، تلك المعادلة الظالمة التي تفرض على أهلنا أنْ يدفعوا ثمن حروب الآخرين من لحمهم الحي ومن استقرار شيبتهم. فبينما يتبجح قادة المحور بالانتصارات الوهمية من فوق المنابر، كان “أبو علي” يلتحف صمت الخراب، ضحية لبيئة جُبلت على التضحية المجانية ودفع الفواتير الباهظة في أسفار لا تنتهي من الشقاء.
رحل “أبو علي” لأنّ الحسرة كانت أمضى من السيف، ولأنّ العراء الذي سكن روحه كان أبرد من أمطار أيار وأقسى من شمس نيسان، فأغمض عينيه وفي قلبه غُصّة من زمن لم يرحم وقاره، ومن “مشروع” حول القرى الآمنة إلى ساحات بريد للصراعات الإقليمية، تاركاً خلفه شعباً يُجبر على التقاط أنفاسه بين ركام المنازل وهوان الواقع.
سقط هذا المسن فوق ترابه ليفضح بصمته زيف الشعارات التي تقتات على جراح الفقراء، وليعلن للعالم أن الموت الحقيقي ليس في سقوط الجدران، بل في سقوط قيمة الإنسان تحت أقدام المصالح التي لا تشبهنا ولا تنتمي لآلامنا.
خاص Checklebanon



