🟠خاص – “الممانعجيون” ينقضون على بعضهم.. ويخنقون “أنينُ النزوح” وصرخات الجوع والذل!

شهران وأربعة أيام، ولبنان يرزح تحت وطأة “حرب إسناد” لم يخترها، عدّاد الضحايا يرتفع، والدمار يتمدّد كوحش كاسر يلتهم الحجر والبشر. لكن خلف غبار الركام، تبرز مأساة من نوع آخر: مأساة “الصوت المخنوق”. صرخةُ الجوع والذل التي تُقابَل بالتخوين، وصوتُ الوجع الذي يُراد له أن يظل حبيس الصدور، كي لا يخدش صورة “الصمود” المرتبة في أذهان من لم يذوقوا طعم التشرد.
الحاجة فاديا حناوي؛ ليست مُجرّد نازحة، بل هي حكاية امرأة قهرها التشتّت، فصرخت من وجع الفقر وقلّة الحيلة، فكان الرد “حجارة من سجيل” التهديدات الرخيصة. اتهموها بالعمالة لأنّها جاعت، وشتموا “صرخة الآه” لأنّها لم تطق ذل السؤال، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى قطع المساعدات عنها، ومنعها من دخول المجالس!
أي عقيدة هذه التي تستقوي على امرأة أضناها الهرب؟ وأي “بيئة” هذه التي تخنق أبناء جلدتها بـ”حبال من مسد” إنْ هم أنّوا من الألم؟
https://www.facebook.com/reel/1485959356319600
فاديا حين بكت، لم تكن تتباكى على جدران وسقوف، بل كانت تلملم جلدها الذي انسلخ عنها في رحلة النزوح المرّة. خرجت لتفضح زيف عالمٍ يقيس الصبر بالمسافات، عالمٍ ينظر إلى الضحية من بعيد دون أن يشعر بلسعة النار في الصدور. هي التي اعتادت النوم على صدى القصف، باتت تخشى الهدوء لأنه يكشف فراغها، ولأنّه ما عاد هناك ما يغطي صوت انكسارها.
طوال عمرها، تنفست فاديا دخان الحروب، لكنها اليوم تختنق بحكم البشر لا برائحة البارود. يطالبونها بـ”الصبر” كأنه ترفٌ أخلاقي أو خيار متاح، متناسين أن الصبر في وجه الانهدام هو رد فعل غريزي لجسد مهدد، لا مناورة فكرية يقوم بها من ينام في مدرسة على “فراش” غريب لا يشبهه، ويقتات على “وهم الاحتمال”.
المأساة الكبرى ليست في خسارة البيت، بل في أولئك الذين “يُنظّرون من خلف منصات التواصل”.. يريدون منها أنْ تصمت، كأنّ النزوح ليس اقتلاعاً من الجذور، وكأنّ الذاكرة لا تنزف حجراً حجر. لقد جعلوا فاديا تشعر بأنّ ذنبها الحقيقي ليس في فقدان مأواها، بل في جرأتها على البكاء أمام جمهور لا يحترف سوى التصفيق للموت.
“الممانعجيون” إنْ لم يستطعوا الانقضاض على “الشريك في الوطن”، ينقضّون على أنفسهم رجماً وتخويناً. إنّها ثقافة “إما أنْ تصمد بصمت.. أو تُذبح بالكلمات”، وفي الحالتين، يبقى الإنسان القربان الوحيد على مذبح سياسات لا تشبهنا.

خاص Checklebanon



