🔔الحرب في أسبوعها الثالث أشد شراسة: فشل المساعي يُنذر بمواجهة مفتوحة وقرار سيادي معلّق!

لبنان في أخطر اختبار منذ عقود: حرب مفتوحة، قرار سيادي معلّق، وتوازنات داخلية تتفكك تحت النار. بين اندفاعة بنيامين نتنياهو نحو الحسم، وحسابات إيران الإقليمية، يتقلّص هامش بيروت إلى حدّه الأدنى. ما يجري ليس جولة عسكرية فقط، بل إعادة صياغة قسرية لقواعد الاشتباك… وربما لموقع لبنان نفسه.
بدأت الحرب أسبوعها الثالث، أشدّ شراسةً وعنفًا ووحشية. من هدفٍ إلى آخر، تنتقل إسرائيل لتنفيذ خطة تدميرية ضد حزب الله، تقوم على استهداف مؤسساته المالية والتربوية، وصولًا إلى محطات الوقود والأسواق التجارية في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب.
تشنّ إسرائيل حربًا تدميرية عنوانها القضاء على الحزب. ترفض وقف إطلاق النار، ولو مؤقتًا، ولا تتجاوب مع المساعي والاتصالات الفرنسية التي تطالبها بوقف التوغّل البري، كما ترفض الاستجابة لطلب لبنان إجراء مفاوضات مباشرة من دون قيد أو شرط. مفاوضات تحت النار، على فرضية أن التفاوض، حتى تحت الضغط، قد يفضي إلى وقف الحرب والحدّ من الخسائر.
لكن إسرائيل رفضت العرض، وفضّلت المضي في الحرب لفرض إملاءاتها على لبنان. وبذلك تكون قد تعاملت مع الطرح اللبناني كإقرارٍ بواقعها، ولو شفهيًا أو عبر ورقة مقترحات لم توافق عليها، بل استكملت حربها بذريعة القضاء على الحزب.
لم تعد إسرائيل تريد من لبنان إلا تطويعه وجرّه مخفورًا إلى طاولة مفاوضات لا يملك فيها حق التفاوض على حقوقه. لم تُعر المقترح اللبناني أيّة أهمية، وتعاملت معه كورقة بلا قيمة، فيما تمضي في توغّلها البري على وقع عشرات الغارات التي تستهدف القرى الجنوبية وبيروت والضاحية، وتصرّ على إنشاء منطقة عازلة جنوبًا.
سحبت إسرائيل ورقة التفاوض من يد رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي كان يعتزم طلب وقف إطلاق النار مقابل اعترافٍ بإسرائيل. كان يُفترض أن تسارع إسرائيل إلى اتفاق يمنحها اعترافًا مجانيًا، لكنها رفضت، وتحدّثت عنه إعلاميًا، ثم أجهضته، وأبلغت رفضها وقف النار حتى مقابل هذا الاعتراف.
تريد إسرائيل الاستمرار في الحرب حتى تحقيق هدفها، ثم الجلوس إلى طاولة المفاوضات لبحث النقاط الحدودية، بعد تجريد لبنان من أوراق قوته. عندها، تصبح المفاوضات أقرب إلى تسليم بالأمر الواقع، لا يملك خلالها لبنان سوى التماهي مع الشروط الإسرائيلية، التي قد تمتد إلى إعادة النظر في النقاط الحدودية واتفاقية الترسيم البحري.
لم يعد لبنان يملك أوراق تفاوض بعد أن قدّم ما لديه من موقع ضعف.
فرنسا، التي تبنّت الورقة اللبنانية، لم تنجح في تغيير الوقائع، ولم تملك القدرة على التأثير في حرب ذات بعد إسرائيلي–أميركي في مواجهة إيران وحزب الله.
في هذه الحرب، يتقدّم صانعو القرار: الأميركيون والإيرانيون على مستوى الصراع مع إيران، وبنيامين نتنياهو وحزب الله على الجبهة اللبنانية.
منذ طرح النقاط التفاوضية، لم تُحدث الاتصالات أي خرق. استمر الرفض الإسرائيلي، فيما أصرّ رئيس مجلس النواب نبيه بري على عدم تسمية ممثل شيعي في لجنة التفاوض، متمسكًا بمعادلة “خطوة مقابل خطوة”، مشترطاً وقف الحرب وعودة النازحين قبل أي تفاوض.
تعاطى بري بدايةً بمرونة مع طرح عون، لكنه عاد وشدّد على استحالة فصل المسارين الإيراني واللبناني، ولم يعد يرى في البحث مع الرئاسة ما يبدّل المعادلة. وكان لافتًا غيابه عن قصر بعبدا منذ بداية الحرب، وهذا ما يعكس تباينًا أعمق من مسألة تشكيل الوفد، ليطال جوهر المقاربة بين الرئاسة والثنائي.
بينما يسعى عون إلى وقف الحرب سريعًا تمهيدًا لمعالجة ملف سلاح الحزب استنادًا إلى قرارات حكومية، يساند بري الحزب في مواجهته لإسرائيل، ولو ضمنيًا. فبالنسبة إليه، لا يمكن التخلي عن الشريك في لحظة مواجهة وجودية.
عون، الذي راهن على أي مبادرة توقف النزيف، اصطدم برفض إسرائيلي وبرود أميركي. في المقابل، تعمّقت الهوة مع الحزب، حيث بات كل طرف يشعر بأنه خُدع من الآخر.
يواجه لبنان أحد أقسى فصول تاريخه: حرب تعيده سنوات إلى الوراء، وانقسام داخلي حاد، وخيارات تفاوضية مثيرة للجدل. فالحزب كان يفضّل أن تفاوض الدولة عليه مقابل وقف النار، لا أن تقدّم عرضًا مجانيًا.
المؤشرات لا تبشّر بقرب نهاية الحرب. التقارير تتحدث عن أيام أشد قسوة، مع إصرار نتنياهو على المضي قدمًا، واستعداد الحزب لخوض معركة يعتبرها وجودية، في ظل حصارٍ خانق يشبه إلى حد كبير واقع إيران.
لبنان اليوم بلا هوامش: إمّا أن يستعيد قراره قبل التفاوض، أو يدخل التفاوض منزوع القدرة. في حروب كهذه، لا يكفي وقف النار… بل تحديد من يملك قرار الحرب أصلًا.
غادة حلاوي- المدن



