🔔أخطر من مجرّد ردٍّ عسكريٍّ: إسرائيل تعمق توغلها جنوبًا وتثبت مواقعها!

في آخر تطوّرٍ ميدانيٍّ على الجبهة الجنوبيّة، برزت تسريبات “هيئة البثّ الإسرائيليّة” عن توجّهٍ لدى المستوى السّياسيّ والعسكريّ إلى السّيطرة على قرى الخطّ الأوّل في جنوب لبنان، بالتوازي مع تعميق التوغّل البرّيّ داخل الشريط الحدوديّ، واستهداف الجسور والمعابر فوق نهر اللّيطاني. وإذا صحّت هذه التوجّهات، فإنّها تعني أنّ إسرائيل لم تعد تدير المعركة بوصفها جولة ضغطٍ ناريٍّ أو توغّلاتٍ موضعيّةً محدودةً، بل بوصفها محاولةً لفرض واقعٍ ميدانيٍّ جديدٍ، يبدأ من القرى الحافّيّة ولا ينتهي عند حدود العزل العملانيّ لجنوب اللّيطاني.

فالمعركة، في هذه المرحلة، تبدو متّجهةً إلى ما هو أبعد من الاشتباك الحدوديّ المفتوح، نحو إعادة تشكيل المجال الجغرافيّ والعسكريّ للجنوب، عبر التقدّم البطيء، والتدمير المنهجيّ، ومنع الحركة، وتهيئة شروط تثبيت مواضع متقدّمة على الأرض.

وبحسب ما سرَّبته “هيئة البثّ الإسرائيليّة”، فإنّ الجيش الإسرائيليّ يعمِّق توغّله في جنوب لبنان بمشاركة عدّة ألويةٍ قتاليّة، وأنّ المستوى السّياسيّ يتّجه إلى توجيهه للسّيطرة على قرى الخطّ الأوّل. ونقل عن مصدرٍ عسكريٍّ قوله إنّ عمل القوّات البرّيّة في جنوب لبنان سيكون “مشابهًا لعمليّاتها في مخيّم جنين”، مع حديثٍ عن استمرار السّيطرة ” حتّى إيجاد جهةٍ تمنع حزب الله من العمل هناك”.

هذه التسريبات لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرّد رسائل إعلاميّة تهويليّة، لأنّها تكشف، في الحدّ الأدنى، عن مناخٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ داخل إسرائيل يضغط في اتجاه توسيع العمليّة، وعن رغبةٍ في الانتقال من التوغّل المحدود والضغط النّاريّ إلى محاولة فرض سيطرةٍ مباشرةٍ أو شبه مباشرةٍ على القرى الحدوديّة الملاصقة للشريط الأماميّ. وهذا، بحدّ ذاته، يفتح الباب أمام مرحلةٍ أشدّ خطورةً، عنوانها صناعة وقائع ميدانيّةٍ قابلةٍ للبقاء، لا مجرّد تنفيذ غاراتٍ أو اجتياحاتٍ خاطفة.

من القرى الحدوديّة إلى عزل جنوب اللّيطاني

هذا التبدّل في بنك الأهداف يلتقي مع مؤشّرٍ أكثر خطورةً، هو أنّ إسرائيل رفعت مستوى حضورها العسكريّ على الحدود، ووسَّعت نطاق عمليّات التمشيط والتفتيش داخل قرى أجبر سكّانها على الإخلاء، فيما تقدَّم هذه التحرّكات، في الخطاب الإسرائيليّ، على أنّها جزءٌ من بناء مواقع متقدّمة داخل الأراضي اللبنانيّة.

والأهمّ أنّ بلدة الخيام تبدو في صدارة هذا التقدّم، مع مؤشّراتٍ إلى إمكان توسيع الاندفاعة لاحقًا باتّجاه نهر اللّيطاني. وهذا يعني أنّنا أمام عمليّةٍ تقوم على التقدّم البطيء تحت غطاءٍ كثيفٍ من القصف الجوّيّ والمدفعيّ، ولا ينتهي عند اقتحام واسعٍ وحاسمٍ ينتج سيطرةً مستقرةً وفوريّةً على كامل الشريط الحدوديّ.

ومن هنا يمكن رسم خريطة التوغّل الإسرائيليّ، حتّى اللحظة، على ثلاثة مستوياتٍ متراكبة.

* الأوّل، مستوى القرى الحافّيّة الملاصقة للخطّ الأزرق، حيث يتزايد الضغط على بلدات الخطّ الأوّل، مع مؤشّراتٍ إلى سعيٍ إسرائيليٍّ لتثبيت حضورٍ أطول فيها أو عند تخومها.

* الثاني، مستوى التقدّم نحو عقدٍ حاكمةٍ داخل العمق القريب، وفي مقدّمتها الخيام، التي تشكّل محورًا رئيسًا للاشتباك ومحاولة الاختراق.

* الثالث، فهو مستوى العزل العملانيّ لما دون اللّيطاني، عبر استهداف الجسور والمعابر، بما يحوّل النهر تدريجيًّا إلى خطّ فصلٍ ناريٍّ وممرٍّ مقطوع، تمهيدًا إمّا لفرض حزامٍ عازلٍ بالقوّة، وإمّا لامتلاك أوراقٍ تفاوضيّةٍ أثقل عند أيّ وقفٍ لإطلاق النّار.

وإذا كانت التسريبات الإسرائيليّة تتحدّث عن السّيطرة على قرى الخطّ الأوّل، فإنّ الوقائع الميدانيّة حتّى الآن لا تظهر احتلالًا ثابتًا ومكتملًا لقرىٍ بأكملها، بقدر ما تظهر تكتيكًا مختلفًا، قوامه التقدّم، والتمشيط، والتفجير، ثمّ التراجع الجزئيّ أو إعادة التموضع، ثمّ العودة من محورٍ آخر. أيّ أنّ إسرائيل تسعى إلى صناعة “منطقة غير قابلةٍ للحياة” منها إلى إعادة إنتاج احتلالٍ كلاسيكيٍّ واضح المعالم.

فالخطر هنا لا يقتصر على عدد الكيلومترات التي تقطعها القوّات المتقدّمة، بل يتّصل بطبيعة الوقائع الّتي تفرض على الأرض، قرى مدمَّرة أو مفرَّغة من سكّانها، محاور مقطوعة، وجسور خارجة من الخدمة، وشريطٌ حدوديٌّ يعاد تشكيله بالنّار، تمهيدًا لتحويله إلى مجالٍ أمنيٍّ منزوع الحياة.

معركة تتجاوز المقاييس التقليديّة

وفي هذا السّياق يُشير اللواء عبد الرحمن شحيتلي، الرئيس السّابق للوفد المفاوض حول الحدود البحريّة، في حديثه إلى “المدن”، إلى أنّ هذه ليست حربًا بين جيشين متقابلين على نحوٍ تقليديّ، حتّى يمكن قياس السقوط والتقدّم بالكيلومترات على الطريقة العسكريّة الكلاسيكيّة، بل هي حربٌ أُريد لها أنّ تكون “بطريقةٍ تتناسب مع طبيعة الأرض”، ومع بنية انتشار “حزب الله” تحت الأرض وفوقها.

ومن هذا المنظور، لا يعود السؤال الدقيق هو، أين صار الجيش الإسرائيليّ، بل، هل استطاع تثبيت نفسه في نقطةٍ حاكمةٍ ومحميةٍ ومتصلةٍ بنقاطٍ أخرى، أم أنّه ما زال يدور في حلقة التقدّم تحت النّار ثمّ الانكفاء؟ شحيتلي يشرح هذه المعضلة بوضوح حين يقول إنّ إسرائيل “تعلم أنّه ليست هناك مراكز محدّدة عليها أن تحتلّها حتّى تقول إنّها احتلّت هذه الأرض، لأنّ مقاتلي حزب الله غير مرئيّين”، ولذلك فإنّ ما تفعله هو أنّها “تتقدّم إلى مسافةٍ معيّنة، وعندما تنطلق النيران، تقوم بعمليّة تثبيتٍ للنيران في ذلك المكان، ثمّ تنفّذ قصفًا بالطيران أو بالمسيّرات أو بالمدفعيّة وسائر صنوف الأسلحة، ثمّ تتراجع، وبعد ذلك تعود مجدّدًا لترى النتيجة”.

بهذا المعنى، فإنّ المشهد الحاليّ في الخيام، وفي سائر المحاور، هو مشهد استكشافٍ بالنّار، وتثبيتٍ موضعيٍّ بالقصف، ومحاولةٍ للعثور على نقاطٍ قابلةٍ للتحصين والبقاء.

ويلفت شحيتلي إلى أنّ إسرائيل “تتقدّم ويقال إنّها احتلّت المنطقة، ثمّ نرى أنّها تراجعت، ثمّ عادت فتقدّمت من محورٍ آخر”، يضع حدًّا لأيّ قراءةٍ متسرّعةٍ تتحدّث عن سيطرةٍ نهائيّةٍ أو خرائط نهائيّةٍ محسومة. ولذلك فإنّ خريطة التوغّل الإسرائيليّ الراهنة تظهر غربًا ضغطًا على القرى الحدوديّة المتاخمة للشريط الأماميّ، ووسطًا محاولات دفعٍ وتثبيتٍ في المحاور المتّصلة ببلدات المواجهة التقليديّة، وشرقًا تركيزًا أوضح على عقدة الخيام ومحيطها، بالتوازي مع ضرب الجسور والمعابر المؤدّية إلى جنوب اللّيطاني.

الجسور المهدَّدة وخطّ الفصل بالنّار

في موازاة التوغّل البرّيّ، جاء استهداف الجسور والمعابر فوق نهر اللّيطاني ليكشف بوضوحٍ عن وجهٍ آخر من العمليّة. فالقضيّة هنا لا تتعلّق فقط بمنع نقل السلاح، وفق الرّواية الإسرائيليّة، بل بقطع أوصال الجنوب، ومنع عودة السكّان، وتعقيد أيّ إعادة تموضعٍ بشريٍّ أو لوجستيٍّ في المنطقة الواقعة جنوب اللّيطاني. وعليه، فإنّ الجسور والمعابر التي تشكّل الشريان الجغرافيّ فوق نهر اللّيطاني تكتسب أهمّيّةً استثنائيّةً، من القاسميّة إلى الزراريّة، مرورًا بقعقعيّة الجسر والخردلي والدلافة. واستهداف هذه النقاط لا يمكن تفسيره إلا بوصفه محاولةً لفرض واقعٍ ميدانيٍّ جديدٍ، يقوم على عزل جنوب اللّيطاني وتحويله إلى مساحةٍ مقطوعة الحركة، بما يشير إلى مرحلةٍ أكثر خطورةً في مسار المواجهة، ويتقاطع مع التسريبات الإسرائيليّة الّتي صدرت مساءً.

استعجال إسرائيليّ قبل أيّ تسوية

ومن هذه الزاوية بالذّات، يقرأ شحيتلي الاستعجال الإسرائيليّ. فوفق تقديره، تريد إسرائيل أن تبلغ “مراكز محميّة على مسافةٍ معيّنة، تشرف على أرضٍ مكشوفةٍ أو أرضٍ محروقة”، وأن تكون هذه المراكز “محميةً بعضها ببعض”، بحيث لا تتحوّل إلى جيوبٍ معزولةٍ يسهل تطويقها. وهي، في رأيه، تستعجل لأنّ الوقت السّياسيّ ليس مفتوحًا، ولأنّها تريد أن تدخل أيّ مفاوضاتٍ لاحقةٍ وهي ممسكةٌ بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الأوراق الميدانيّة، من دون أن يعني ذلك أنّها نجحت فعلًا في حسم الأرض أو تثبيت حدود “منطقةٍ أمنيّة” نهائيّة.

ولهذا، لا يبدو التوصيف الأدقّ لما يجري أنّ إسرائيل “احتلّت” قرى الحافّة الحدوديّة بالمعنى الكامل، ولا أنّها تكتفي بمجرّد غاراتٍ من بعد. الأدقّ أنّها تعمِّق توغّلها تدريجيًّا، وتوسِّع رقعة الإخلاء والتمشيط والتدمير، وتبني، بالنّار والهندسة العسكريّة، شريطًا حدوديًّا منزوع الحياة وقابلًا للتحوّل إلى منطقة عزلٍ عمليّ.. أمّا تسريبات “هيئة البثّ الإسرائيليّة” عن السّيطرة على قرى الخطّ الأوّل، فهي ليست دعاية إسرائيليّة، بل مؤشّرٌ إلى أنّ ما يراد فرضه على الأرض قد يكون أوسع من مجرّد توغّلٍ محدود، وأخطر من مجرّد ردٍّ عسكريٍّ موضعيّ.

المدن

مقالات ذات صلة