🔔لبنان في عين الخطر الأكبر: «عصف مأكول» بمواجهة«احتلال وانتداب ووصاية»!

عون-الشرع-ديغول: عصف مأكول بمواجهة احتلال وانتداب ووصاية

العصف المأكول هو اسم الحرب من جانب حزب الله. إسرائيل يمكن أن تطلق عليها اسم “حرب لبنان الثالثة”. بعيداً من التسمية، المعركة فتحت، واتخذت منحىً جديداً. الحزب يريدها معركة متزامنة مع الحرب الإسرائيلية الإيرانية ليتمكن من إدارتها بطريقة مختلفة عن حرب العام 2024، وليتمكن من العودة إلى طاولة المفاوضات وتغيير ما فرض عليه سابقاً. إسرائيل تريدها الحرب الأخيرة لفرض الوقائع التي تريدها سياسياً وعسكرياً. لكن النتيجة ستكون كارثية على لبنان، الذي لا يبدو أنه قادر على امتلاك رؤية للخروج من الحرب. أما الأهم فهو المبادرة بشكل سريع وجدي لتغيير المسار بالكامل، وهذا ما يرتكز على خطوة متوافق عليها بين الرؤساء الثلاثة.

ديغولية لبنانية؟

يمكن للمسؤولين اللبنانيين استعادة تجربة شارل ديغول، وإن كانت في سياقها المعكوس. فديغول هو الذي اتخذ خيار الدفاع عن فرنسا الحرة ومقاومة حكومة فيشي. المسؤولون اللبنانيون اليوم بحاجة الى نوع من الديغولية السياسية، والمبادرة باتجاه حزب الله وكل القوى الدولية لفرض مسار يجنّب لبنان المزيد من التدمير والتهجير، الذي أصبح واضحاً أن اسرائيل تصرّ عليه وحصلت على الضوء الأخضر الأميركي لتحقيقه. رئيس الجمهورية جوزاف عون، وفي كل مجالسه، يؤكد أنه لا يريد أن يكون لبنان متلقياً، ولا في حالة انتظار للمبادرات التي ستأتي من الخارج، بل يريد أن يبادر بنفسه لإنهاء الحرب. وبناء عليه طرح مبادرته، التي لم تلق حتى الآن أي أذن صاغية في الخارج. المسألة ترتبط بالإقدام على قرار متقدم ومتحرر من كل الذهنيات السابقة، وعدم ترك الأمور لتتحكم بها التطورات والمسار العسكري للمعركة لأنه لن يكون في مصلحة لبنان على الإطلاق.

مقاربة مختلفة

يقيم لبنان اليوم في معادلة عالية المخاطر تحتاج الى حركة سريعة جداً على مستويات الداخل والخارج. الحركة الفعلية تقوم على المبادرة والإمساك بزمامها، من خلال تقديم رؤية واضحة للحل، وخلق إطار داخلي وخارجي لها، لتكون مقبولة. وهنا لم يعد بالإمكان الحديث عن تحييد لبنان، بل كيفية إخراجه من هذا الأتون. ذلك يحتاج إلى وضع خطة مكتملة الأركان، تتشكل منها الركائز الأساسية لحماية هذا البلد وكيانه، وهو ما يبدأ من خلال النقاش الجدي والحاسم والحازم مع حزب الله، لتقييم كل المخاطر، وما يمكن أن ينجم عن عملية التصعيد الإسرائيلي بهدف التدمير والتهجير وتغيير الجغرافيا. والموقف مع حزب الله يقتضي أيضاً المصارحة مع جميع اللبنانيين والقوى السياسية حول حجم المخاطر المقبلة، والكم الهائل من الضغوط التي يتعرض لها لبنان، والتهديدات التي تصل إلى تدمير كل مرافقه وبناه التحتية، وهي رسائل عديدة تبلغها لبنان، وهنا لم تعد مقاربة هذه الحرب وسياقاتها واردة كما قوربت الحرب الماضية ولا حتى اتفاق وقف إطلاق النار، وطبعاً ليس كما جرى التعامل مع خطة حصر السلاح.

والمبادرة يفترض أن تنطلق من قراءة واقعية لتطورات الوضع في المنطقة وتحولاتها، وحجم المتغيرات، وهو ما يفترض مناقشة حزب الله فيه، إذ على الرغم من قدرة إيران على الصمود ومواصلة عملياتها العسكرية ضد إسرائيل والقوات الأميركية، وإغلاق مضيق هرمز وغيرها، إلا أن إيران لن تتمكن من الحفاظ على مسارها السابق، وهي في كل الأحوال أمام ثلاثة سيناريوهات.

أولها، مواصلة أميركا العملية العسكرية إلى أمد طويل لإسقاط النظام ولكن ذلك لا يبدو ممكناً.

ثانيها، أن تفرز الحرب الحالية تغييراً داخل إيران يؤدي إلى تغيير الوجهة السياسية فيها وبناء تفاهمات مع الولايات المتحدة الأميركية.

ثالثها، أن لا تحقق الحرب أهدافها، وتوقفها الولايات المتحدة الأميركية، ولكن تدخل إيران في عزلة دولية وحالة استعصاء داخلي مع اشتداد الحصار المالي والاقتصادي وفرض المزيد من العقوبات عليها.

ماذا عن علاقة إيران بالحلفاء؟

في الحالات الثلاث، فإن ذلك سيكون له انعكاس على علاقة إيران بحلفائها في المنطقة، ولن تتمكن من الاستمرار في توفير الغطاء الإقليمي لهم، ولو مواصلة دعمهم مالياً أو سياسياً أو عسكرياً. إذ في حال تغير النظام، فإن الطبقة السياسية التي ستتسلم السلطة ستكون معارضة لمواصلة دعم حلفاء طهران، وفي حال هزمت إيران في الحرب فإن حلفاءها سيكونون شركاء في الهزيمة، أما في حال دخلت بحالة عزلة واستعصاء فلن تتمكن من إمداد حلفائها بأي وسيلة من وسائل الدعم.

لبنان في عين الخطر

لبنان يبقى في عين الخطر الأكبر، لا سيما أن إسرائيل تصر على مواصلة عمليتها العسكرية وتوسيعها ورفع مستواها بعد التفرغ من الحرب على إيران، وهو ما يقتضي على المسؤولين اللبنانيين البحث عن سبل سريعة لوقف الحرب ومنع تفاقمها، خصوصاً أن الحرب الإسرائيلية لن تقف عند حدود القصف الجوي، ولا السعي إلى تدمير قدرات حزب الله العسكرية، بل هدفها الانتقال إلى مرحلة تغيير كامل للوقائع السياسية والعسكرية والجغرافية والديمغرافية. فما بعد إطلاق حزب الله عملية العصف المأكول، كانت التسريبات الإسرائيلية في غاية الخطورة حول تدمير البنى التحتية التابعة للدولة اللبنانية والمرافق العامة، إضافة إلى الحديث عن الاجتياح البري الموسع والذي لا يقف عند حدود الخط الأمامي ولا عند حدود نهر الليطاني، مع ما يعنيه ذلك من سعي إسرائيلي لتغير في جغرافية لبنان وكيانه.

في مواجهة هذه الحرب المجنونة، يختار لبنان الاتجاه نحو وضع إطار سياسي للتفاوض، والانتقال إلى مرحلة ثانية من هذا المسار التفاوضي، ولو كان تحت النار لمنع إسرائيل من مواصلة عمليتها وتحقيق تقدم عسكري واحتلال مساحات جغرافية من الجنوب، وبعده فرض التفاوض على لبنان تحت الاحتلال، بدلاً من أن يكون التفاوض اليوم تحت النار.

المبادرة الرئاسية

ما يسعى إليه لبنان الآن، هو منع الاحتلال البري والتغيير الجغرافي، وذلك من خلال المبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية، ولا بد من المراكمة عليها من خلال نقاط عديدة:

النقطة الاولى هي منع استكمال حصول المحظور؛ أي وقف هذه الحرب سريعاً، ومنع إسرائيل من التوسع والاحتلال وتدمير البنى التحتية والمرافق العامة.

النقطة الثانية، منع أي احتلال لأي بقعة، لأن تثبيت إسرائيل للاحتلال ستكون له آثاره البعيدة سياسياً عبر تحكمها بالمفاصل السياسية وفرض وصاية على لبنان.

النقطة الثالثة، المعالجة السريعة للهشاشة اللبنانية التي يمكنها أن تدخل البلاد في حالة حرب داخلية واقتتال أهلي.

والأهم هو وضع رؤية متكاملة لكيفية خروج لبنان من هذه الحرب، والمطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإعادة ترميم العلاقات العربية والدولية، وتشكيل وفد حكومي رفيع المستوى يجول على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والدول الأعضاء، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، لعرض هذه الرؤية والمطالبة بفرض وقف إطلاق النار، مع إطلاق ورشة داخلية سريعة هدفها إعادة بناء وحدة وطنية، والسعي لإعمار ما تهدم، واعادة السكان الى أراضيهم، لحفظ الكيان وكل المكونات. دون ذلك، فإن لبنان سيواجه الشر المستطير خارجياً وداخلياً.

على مدى أشهر، تلقى لبنان نصائح ورسائل كثيرة حول ضرورة أن يسلك النهج السوري، ويحدث التحول. هناك من يشبه الخطوات التي أقدم عليها أحمد الشرع بما أقدم عليه شارل ديغول، وهو جانب من النصائح التي توجه إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، وفي سياقها اندرجت اتصالات الشرع به، وآخرها الاتصال الثلاثي الذي شارك فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، للبحث في الدخول في مفاوضات مباشرة وتشكيل الوفود، بالتنسيق مع سوريا، لكأن لبنان يواجه قدراً محتوماً، بين احتلال سابق يسعى لمنع تجدده، وانتداب يريد أن يستقل عنه وينضج، ووصاية يخاف دوماً من عودتها ويسعى إلى مواجهتها بوحدة مسار ومصير مختلفة عن ما كان سائداً.

منير الربيع- المدن

مقالات ذات صلة