🔔عملية غش شاملة وتجارة معقّدة: «Dior» ،«Chanel» ،«Armani» للبيع… بـ 6 دولارات!
عمليات استيراد مشبوهة

عطور «Dior» ،«Chanel» ،«Armani» ،«Tom Ford» وغيرها الكثير من العلامات التجارية العالمية تغزو مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، بأسعار تراوح بين 6 و12 دولاراً. البعض يسوّقها على أنها «Testers» أصلية، فيما يقول آخرون إنها أصلية مهرّبة. وما يُساعد هؤلاء على البيع أكثر، الشكل الخارجي: زجاجات داخل علب تشبه الأصلية إلى حدّ التطابق ومغلّفة بشكل مُحكم.
لكن خلف هذا البريق، تدور تجارة معقّدة تتداخل فيها عمليات استيراد مشبوهة، تركيب محلّي وتسويق قائم على سرديات خيالية. واللافت أن كل المطلعين على الكواليس فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، لحجج مختلفة، الأمر الذي يزيد الريبة حول ما يجري في هذا القطاع والشبكات التي تديره ومن يغطيها.
خبير في مجال العطور يوضح أنه «لا توجد شركات عالمية مرموقة تصنّع زجاجات Testers بهذه الكميات الضخمة وتبيعها لصفحات أونلاين. الفكرة بحد ذاتها تناقض منطق السوق».
الـ«Tester»، كما يشرح، هي «عيّنة مخصّصة للعرض في المتاجر الشرعية كي يجرّب الزبون العطر قبل الشراء. ووجوده طبيعي في نقاط البيع المعتمدة، لا في مستودعات تبيع آلاف الزجاجات في الأسبوع إلكترونياً. قد تتسرّب بعض القطع من متاجر معيّنة، لكن ذلك يبقى حالات فردية، لا تجارة واسعة النطاق تُغرق السوق».
المصدران الأساسيان للزجاجات، بحسب أكثر من طرف في القطاع، هما الصين وتركيا. في المدة الأخيرة، ازداد الاستيراد من تركيا تحديداً، لأن مستوى تقليد الزجاجات الأصلية بات أكثر احترافاً إلى حدّ التطابق. وتتم العملية على الشكل الآتي: تدخل هذه الزجاجات فارغة بكميات كبيرة. بعد ذلك، تُخلط الزيوت العطرية في لبنان وتُعبّأ داخل القوارير، ومن ثم تُغلّف وتُسوّق على أنها «أصلية» أو «Testers».
عملية غش شاملة
هنا يبرز الفرق الجوهري بين التركيب المشروع والغش. فتركيب العطور بحد ذاته نشاط قانوني في لبنان، وهناك شركات مرخّصة تعمل فيه بشفافية. هذه المتاجر تُبلغ الزبون بوضوح أن المنتج «تركيب ومشابه بنسبة كبيرة» للعطر الأصلي، ولا تعبِّئه بزجاجة مقلّدة تحمل العلامة التجارية.
أما ما يحصل اليوم، وفق الخبير، فهو «عملية غش شاملة، تُبنى على روايات كاذبة: مختبرات عالمية، شحنات تهريب فاخرة… بينما الجزء الأكبر من عمليات الخلط يتم محلياً».
رغم الحديث عن تشدّد جمركي وتعديلات في الإجراءات، إلّا أن الفاعلين في القطاع يؤكدون أن ما يجري ليس نشاطاً فردياً متفرقاً، بل شبكات معروفة تنشط في مناطق محددة. صحيح أن قوى الأمن نفّذت مداهمات في المدة الأخيرة لعدد من المستودعات، لكنّها بقيت محدودة ولم تطل «الرؤوس الأساسية».
اللافت أيضاً أن العطور المعروضة عبر هذه الصفحات تكاد تكون متشابهة. لا تنويع حقيقياً في الأسماء. والسبب، وفق المتابعين، هو «دراسة دقيقة لأكثر العطور طلباً في السوق اللبنانية، ثم التركيز عليها وإغراق السوق بنسخها المقلّدة».
بعض الصفحات تبيعها بوضوح على أنها «Testers» بأسعار بين 6 و12 دولاراً، مع هامش ربح بسيط قائم على الكمية. لكن الأوقح هو من يعرض الزجاجة بأكثر من 60 دولاراً – أي نصف أو ربع سعرها في المتاجر المعتمدة – فيما لا تتجاوز كلفتها، بعد الاستيراد وتركيبها، «دولارين تقريباً»، بحسب المعنيين.
صاحب شركة استيراد زيوت عطرية مرخّصة يُميّز بوضوح بين النشاط القانوني والتزوير. شركته تستورد الزيوت من فرنسا، وتبيعها لمتاجر تركيب العطور، من دون استخدام زجاجات تحمل علامات تجارية مقلّدة أو الادعاء بأنها أصلية. يقول: «نحن مؤسسة مرخّصة، ندفع ضرائب ونخضع للرقابة. كل الزيوت تدخل عبر الطائرات وتخضع لفحص دقيق ونأتي بوثائق تثبت مصدرها». ويشير إلى أن «الزيوت نفسها درجات من حيث الجودة. معظم الشركات تستورد النوع الجيد أو Standard، لا الفئة الأعلى سعراً، لأن المنافسة السعرية الشرسة – خاصة غير الشرعية – لا تسمح بهوامش كبيرة».
الأزمة الاقتصادية دفعت الكثير من المستهلكين إلى البحث عن بدائل
المشكلة، في رأيه، ليست في التركيب، بل في «الغش والتزوير على الزبون»، إضافة إلى التهرّب الضريبي والجمركي الذي يضرّ الاقتصاد ككل.
وعليه، تواجه متاجر العطور الشرعية «أزمة كبيرة»، بحسب عدد منها. أكثر ما يقلق هذه المتاجر وأصحاب الوكالات أن «المشكلة لم تعد فقط في المنافسة السعرية، بل في اهتزاز الثقة. فالكثير من الناس، تحت ضغط الأسعار ونظريات المؤامرة المنتشرة على مواقع التواصل، باتوا يشككون حتى في البضائع المعروضة في المتاجر الرسمية ويعتقدون أننا نبيع المزيف نفسه لكن بسعر خيالي».
وما يفاقم من الالتباس والشك، بحسب هذه المتاجر، أن «الكثير من الزبائن يطلبون العطور من متاجرنا عبر خدمة الديليفري، وهي الخدمة عينها التي تنشط عبرها عمليات بيع العطور المزيفة أونلاين، ما يجعل التمييز أصعب على المستهلك العادي».
وفي هذا السياق، يشرح الخبراء أنه «توجد درجات من التزييف. بعضها متقن جداً من حيث الشكل، لكن من يعرف رائحة العطر الأصلية يمكنه تمييز الفارق»، لافتين إلى أن «المشكلة أن كثيرين يشترون النسخة المقلّدة من دون أن تكون لديهم تجربة سابقة مع الأصل، فيصبح المعيار الوحيد هو السعر والشكل الخارجي».
بحث عن بدائل
لا يمكن فصل الظاهرة عن السياق الاقتصادي. فمع تراجع قيمة الرواتب، صار سعر زجاجة عطر عالمية يتجاوز أحياناً 10% من الدخل الشهري. الطبقة الوسطى تحديداً تضررت بشدة، ما دفع كثيرين فيها إلى البحث عن بدائل.
تكشف بعض متاجر العطور أن «العطور العربية من علامات تجارية مثل لطافة، أفنان، رساسي وأرماف حققت في عامين قفزة كبيرة في السوق اللبنانية، حتى باتت تمثل قرابة نصف المبيعات في بعض المتاجر. هذه العلامات تقدم جودة مقبولة إلى عالية بأسعار تراوح بين 20 و50 دولاراً، أي ضمن هامش يمكن تحمّله».
أما المستهلك، فيتماشى مع التحولات التي طرأت على المعيشة ونمط الحياة ويحاول الحفاظ على حد أدنى من الرفاهية والعناية بنفسه ولو بشكل مزيّف. بالنسبة إلى هذه الفئة من الزبائن، «الصفحات التي تبيع نسخاً رخيصة تقدّم حلاً واقعياً. لا يهم إن كان هناك فرق بسيط في الرائحة، فمعظم الناس لا يميزون، وشكل الزجاجة والتغليف يعطيان إحساساً قريباً من الأصل».
رضا صوايا- الاخبار



