🔔خاص – سعد الحريري وإفطار دار الفتوى: مناسبة جامعة أم ساحة لتصفية الحسابات؟!

للأسف، تحوّل حضور الرئيس سعد الحريري في إفطار دار الفتوى من مناسبة وطنية جامعة إلى مادّة سجال سياسي وإعلامي واسع، ففيما يعيش البلد على وقع الانقسامات، كان ينقصنا استثمار جديد في معارك المحاور، وبدل أنْ يكون الإفطار مساحة لقاء وتخفيف احتقان، صار منصة لتصفية الحسابات
.
من حيث المبدأ، لا يحمل حضور الحريري أي استغراب، فهو جزء من الحياة العامة ويستعد للعودة إلى المشهد السياسي بعد فترة ابتعاد، لكن طريقة التعاطي الإعلامي كشفت أزمة أعمق، فالإعلام عموماً والمكتوب خصوصاً، اختزل “الحدث” من زوايا ضيقة، وركزت صحف محوري “الممانعين” و”السياديين” على الشائعات و”حكايا نسوان الفرن”، بدل مناقشة الرسائل السياسية الكبرى في لحظة حسّاسة تمر بها البلاد.
صراع محاور
“ماكينات إعلامية خُصصت” لتضخيم كل حركة يقوم بها الحريري، سلباً أو إيجابياً، في بازارات المصالح والاستفادة من الطرفين، حتى بلغ الأمر حد تضخيم حضوره على مائدة دار الفتوى، بوصفه محاولة لإعادة تموضعه سياسيّاً، كمن يسعى إلى تسويق نفسه انتخابيّاً على حساب تحالفاته السابقة.
هذا الخطاب بالغ في الترويج لفكرة أنّ الرجل أصبح أقرب إلى محور الممانعين، وقدّمه بوصفه “مَنْ منع الانزلاق إلى الحرب الأهلية”، في محاولة واضحة لتوظيفه في سرديات سياسية لا تعبّر بالضرورة عن خياراته الحالية.
كبش فداء.. ولكن!
الأخطر كان تسريب روايات عن علاقته مع السعودية، وبخ السُم في تفاصيل الإفطار ودخوله والسفير السعودي وليد بخاري من بابين مختلفين بتوقيتين مختلفين وجلوسهما إلى طاولتين مختلفتين، متناسين أنّ الود قد سقط “من زمااان”، ويحل مكانه شوك الجفاء.
أمام هذا الواقع، يجد الحريري نفسه “مُرغماً” بين حجري رحى: طرف كان يُعاديه سابقاً ويبالغ اليوم في الاحتفاء به، وطرف آخر يفتح المجال أمام الشماتة وتوسيع فجوة الكراهية. النتيجة أنّ الرجل تحوّل إلى “كبش فداء” صراع محاور إقليمية – محلية، وغابت العقلانية والجدية في فهم السياسات.
جرائم إعلامية
هذا النموذج يعكس أزمة أوسع في الإعلام اللبناني، الذي انتقل من نقل الوقائع إلى صناعتها، وبدل محاسبة السياسيين على الأداء الاقتصادي والإصلاحي، يجري استهلاك الجمهور في معارك شخصانيّة. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يزداد خطر هذا النهج، لأنّه يكرّس الانقسام النفسي في الشارع ويدفع الناخبين إلى الاصطفاف القسري بين معسكرات، بدل التفكير بخيارات واقعية للخروج من الانهيار.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى إعلام يشعل الصراعات، بل إلى إعلام يخفف الاحتقان ويعيد النقاش إلى جوهره: كيف تُبنى الدولة وكيف تُستعاد الثقة، فالسياسي قد يكون ضحية التوظيف الإعلامي، لكن المجتمع كله يدفع الثمن. لذلك، فإن إعادة الاعتبار للمهنية والموضوعية ليست مطلباُ نخبويّاً، بل شرطاً أساسيّاً للاستقرار.
خاص Checklebanon



