🔔خاص – بين زمن التسويات وعصف الصدمات: أي موقع للبنان في الشرق الأوسط الجديد؟

الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة موارد أو جغرافيا... بل أزمة قرار سياسي

بعد 37 عاماً لم يعد لبنان اليوم يعيش المرحلة نفسها التي عرفها منذ “اتفاق الطائف”، فالدولة التي قامت على إدارة الأزمات عبر التسويات المؤقتة والتوازنات الدقيقة، تواجه حالياً واقعاً أكثر قسوة وتعقيداً. لم يعد الخارج مستعداً للتدخل السريع، ولم تعد التسويات السهلة متاحة، فيما تدخل المنطقة مرحلة إعادة تشكيل عميقة تتجاوز الحسابات التقليدية.

طوال عقود، بقي بلدنا قادراً على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار رغم الحروب في سوريا والعراق، والتوترات الإقليمية المتكررة، لكن التحولات الدولية الحالية غيّرت هذه المعادلة، فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، وعودة السياسات الواقعية، دفعت القوى الكبرى إلى خفض اهتمامها بالأزمات المحلية، والتركيز على الملفات الاستراتيجية الكبرى.

لسنا أولوية
هذا التحول يعني عملياً أنّ لبنان لم يعد أولوية، وأنّ الانهيار لم يعد كافياً لاستجلاب الدعم، كما أن الاستقرار لم يعد هدفاً بحد ذاته لدى المجتمع الدولي. بل أصبح المطلوب إدارة المخاطر ومنع الانفجار فقط، ما يترك لبنان في حالة انتظار طويلة بلا حلول جذرية.

أما التطورات العسكرية الأخيرة على الحدود الجنوبية أعادت فتح النقاش حول مستقبل قواعد الاشتباك التي تشكلت بعد حرب تموز 2006، فالهدوء الحالي يبدو هشاً ومشروطاً بالتوازنات الإقليمية، خصوصاً مسار العلاقة بين إيران والدول العربية، وبطبيعة الصراع مع إسرائيل.

الغموض المنظّم
لكن التحدي الأهم يكمن في الداخل: هل يمكن للبنان الاستمرار في صيغة “الغموض المنظم” التي تسمح بتوازن هش، أم أن الضغوط الدولية ستدفع نحو دور أكبر للدولة ومؤسساتها الأمنية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الاستقرار في السنوات المقبلة، وقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار داخل النظام.

اقتصادياً، لم يخرج لبنان من أزمته، بل دخل مرحلة الصمود، فقد توقّف الانهيار الكبير، لكن من دون إصلاحات بنيوية. الاقتصاد اليوم يقوم على “الدولرة” والتحويلات، وعلى قطاع غير رسمي واسع، فيما تستمر الدولة في العجز عن إعادة بناء مؤسساتها.

هذا النموذج قد يمنع الانفجار الاجتماعي، لكنه يكرّس دولة ضعيفة. وفي المقابل، تتزايد الضغوط الدولية، خصوصاً من صندوق النقد الدولي، لإقرار إصلاحات في القطاع المصرفي والمالية العامة والطاقة. غير أن المشكلة الأساسية تبقى سياسية، إذ تخشى القوى التقليدية من أن تؤدي هذه الإصلاحات إلى إعادة توزيع النفوذ داخل النظام.

انتخابات 2026:
الانتخابات النيابية المقبلة تمثل لحظة مفصلية، لأنها تأتي بعد الانهيار وصعود قوى جديدة وتراجع الثقة الشعبية. لذلك، لن تكون مجرد محطة دستورية، بل اختبار لقدرة النظام على التجدد.

هل يستطيع لبنان إنتاج توازن سياسي جديد أكثر استقراراً؟، أم أنّه سيعيد إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة؟
في الحالة الأولى، قد تعود فرص الاستثمار والانفتاح العربي والدولي. وفي الثانية، سيبقى لبنان دولة تُدار بالأزمات، لا بالحلول.

المفارقة أن لبنان، رغم ضعفه، يمتلك فرصة نادرة. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة ترتيب اقتصادي وأمني، من مشاريع الطاقة إلى الممرات التجارية، ما قد يمنحه دوراً إذا استطاع تثبيت حد أدنى من الاستقرار، لكن هذه الفرصة تحتاج إلى تحول سياسي عميق: الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الدولة. فالأزمة اللبنانية لم تعد أزمة موارد أو جغرافيا، بل أزمة قرار سياسي.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة