🔔خاص: “حلو النص” تراثٌ شعبي يسبق رمضان المبارك!

إعداد مصطفى شريف:

حلو النص” تراثٌ شعبي يسبق رمضان المبارك

حين ينتصف شعبان.. تحلو الذاكرة وتقترب موائد الإفطار

أما وقد انتصف شهر شعبان.. وتصدّر البدر وجه السماء.. ورُفِعَتْ الأعمال مُعلنة اقتراب “استبانة الهلال”.. فانحنى الزمان احتراماً لقدوم الضيف المبارك.. مُبدّلاً ملامح الأيام بنفحات الصيام.. فلا تعود الساعات عابرة كسواها.. ولا اللحظات مُثقلة بالهموم.. بل تُصبح مُحمّلة بالذِكر.. ومُطرّزة بإرث ديني وذاكرة وجدانية.. وعادات وتقاليد تناقلتها الأجيال أكثر مما حفظتها الكتب.

ليلة النصف من شعبان.. التي أجمع المؤرّخون على بُعدها الديني.. رُسِّخَت في الوجدان الشعبي اللبناني كمحطة روحانية واجتماعية بامتياز.. ليلة يتقاطع فيها الدعاء مع الفرح.. وتلتقي فيها صلة الرحم مع الضيافة.. لكن قبل انطلاق العد العكسي لزيارة شهر رمضان المُبارك.. للصائمين في منتصف شهر شعبان حلواهم وسلواهم.. من هُنا وُلِدَ “حلو النص”!!

“حلو النص.. حلاوة النص”
هو إرث شعبي توارثته الأجيال واختلف من مدينة إلى أخرى.. فتنوّعت الأطباق وتعدّدت الألوان.. واجتمعت الروائح الشهية المُنبعثة آنذاك من المطابخ.. قبل أنْ تُبعث في زماننا الحاضر من محلات الحلويات على قاعدة “شرايتو ولا ترباتيو”..

فما هي “حلويات منتصف من شعبان”؟.. ولماذا وقع الاختيار على صنف دون آخر؟.. وما سبب الارتباط بهذا التاريخ دون سواه؟.. وسواها من الأسئلة التي حملناها إلى كبار السن وأصحاب المحلات المخضرمين.. وعُدنا بخبريات من هنا وهناك..

بيروت: المشبّك المعكرون والعوامات
في بيروت.. المدينة التي لا تنام إلا على وقع ذاكرتها.. كان للنصف من شعبان ولا يزال إيقاعه الخاص.. الأزقة والشوارع والأحياء الشعبية مُستمرّة إلى يومنا الحاضر بإطلاق النفير.. ومُعلنة اقتراب حلول شهر رمضان.. والحدث الأبرز هو شهر “النصف من شعبان”.. حيث تُشمّر السواعد وتنطلق عربات الحلويات قديماً في الشوارع وحديثاً على أبواب المحلات.. فيعلو صوت الزيت المغلي وتفوح رائحة القطر.. في إشارة علنيّة وعلى الملأ “حل النُص.. تعا تحلّى يا حلو”..

مَنْ منّا لا يعرف “المشبّك البيروتي” بلونيه الأبيض والأحمر.. ويرافقه حديثاً “المشبّك الحلبي” بلونه الذهبي.. ولا تغيب “العوّامات” أبداً عن صحن “ثلاثية المشبّك والعوّامات والمعكرون”.. حتى أنّ بعض الموروثات عزوا ميلاد “العوّامات” إلى حكاية قديمة عن قاضٍ كان يحب الحلويات.. فابتكر له أحد الطُهاة “لقمة القاضي”.. أو كرات العجين المقلية والمُحلّاة.. بينما المعكرون بحجميه يكون ملك النهكات مع اليانسون والقرنفل والقطر المُطيّب بماء الزهر..

وقد أخبرنا الكبار بأنّ ارتباط هذه الحلويات بمنتصف شهر شعبان.. يعود إلى كون هذا اليوم “العتبة الاجتماعية” التي تسبق الشهر المبارك.. حيث كان أهل بيروت يتبادلون الحلويات كهدايا.. ويقدّمونها للزائرين في فعلٍ يُجسّد معنى الكرم والاستعداد الروحي للضيف القادم.. وقد رأى المؤرّخون في المشبّك رمزاً لـ”صلة الأرحام”.. إذ تتشابك خيوطه كتشابك العلاقات الساعين لترميمها قبل الصيام.

صيدا: الجزرية أو “حلاوة النُص”
في صيدا المدينة الغارقة في العراقة والتاريخ والحضارات.. أرض الكنعانيين والفينيقيين.. وحاضرة البيزنطيين والرومان وقاهرة الغزاة.. لا يُذكر النصف من شعبان من دون أنْ تُستحضر “الجزرية”.. تلك الحلوى التي تجاوزت كونها صنفاً موسميّاً.. وأصبحت هوية متوارثة للمدينة.. وموعداً ثابتاً مع الذاكرة..

“الجزرية” التي أوّل مَنْ ابتكرها كانت العائلات الصيداوية وتوارثت صناعتها.. لا أصل أو حكاية لصناعتها الأولى حسب المؤرّخين.. لكن ما يمكن تأكيده أنّ “الجزرية” وإنْ لم توثق باسم شخص.. إلا أنّ الأصح هو ربطها بالزمان الذي دوّن سطورها الأولى.. وحفظتها صيدا في القلوب والأذواق..

صنع حرفيّو المدينة هذه الحلوى من “اليقطين”.. وليس من الجزر لكن لونها البرتقالي أكسبها اسمها الشعبي.. وصناعتها دقيقة وتمر بمراحل طويلة تحتاج إلى صبرٍ ووقت.. تماماً كما تحتاج الذاكرة إلى مَنْ يصونها.. وأهل “بوابة الجنوب” كانوا الأجدر بهذا اللقب..

ومنذ عقود اعتاد الصيداويون على إعداد الجزرية وشرائها في أواسط شعبان.. لتكون إعلاناً شعبيّاً عن اقتراب رمضان.. هذا الارتباط لم يفرضه نص ولا قانون.. بل وثّقته العادات وكرّسته التقاليد والبيوت والعائلات.. التي ورثت صناعة الجزرية جيلًا بعد جيل.. حتى ارتبط اسم هذه الحلوى خلال النصف من شعبان بمدينة صيدا وأهلها..


طرابلس: تنوّع الحلوى روح المدينة
أما في طرابلس “عاصمة الشمال اللبناني”.. ومدينة الحلوى بامتياز.. فلا تنحصر المناسبة بصنف واحد.. بل تتجلّى في وفرة الأنواع وتنوّعها.. فالنصف من شعبان في الشمال ككل.. جزء من موسم اجتماعي أوسع.. تُستعاد فيه اللقاءات وتُفتح فيه البيوت.. ويتلاقى الأهل والخلان ويتهادون..

تتنوّع الحلوى بين “الصفوف”.. الذي أصبح حديثاً يُحشى بالقشطة.. “ليالي لبنان” المعروفة بنعومتها وطراوتها فتذوب في الفم كالعسل.. وست الستات هي “العثمليّة” الصنف العريق الذي توارثه أهل الشمال ولبنان عموماً عن العثمانيين.. لكن أبدع اللبنانيين في تطييبه وصناعته..

أيضاً وأيضاً لا ارتباط مُحدّد لمنتصف شعبان في طرابلس مع التحضيرات الرمضانية.. بل يتقاطع تقديم الحلويات في هذه المدينة كتعبير عن الفرح والكرم.. وعن الاستعداد النفسي والاجتماعي لاستقبال شهر الصيام.. حتى من دون تسمية محددة للمناسبة.

مقاومة النسيان
حلويات النصف من شعبان ليست مجرّد وصفات تُحضّر في توقيت معيّن.. بل هي “شيفرة اجتماعية” تختزن معاني الصبر والكرم وصلة الرحم.. إنّها ذاكرة تحفظ ما تعجز الكلمات عن قوله.

من بيروت إلى صيدا.. ومن طرابلس إلى سائر المناطق.. تتنوّع الأشكال والنكهات.. لكن المعنى واحد “اللبنانيون – بمسلميهم ومسيحييهم – يستقبلون رمضان بطقوسه الخاصة.. ويصرّون على أنْ يبقى جسور التواصل المفتوح بين الأجيال.. في زمنٍ تتآكل فيه التفاصيل.. لكن تبقى هذه الحلويات أثراً حيّاً.. يُذكّر اللبنانيين بأنّ بعض التقاليد.. مهما بدت بسيطة.. قادرة على مقاومة النسيان.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة