🔔خاص – إيران عند مفترق الانهيار: نظام الملالي يواجه أخطر اختبار منذ 1979

في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الجمهورية الإسلامية، تتقاطع في إيران اليوم روايتان متناقضتان حدّ الصدام. الإعلام الرسمي في طهران يصرّ على أنّ حدّة التظاهرات المعارضة لحكم الملالي في تراجع، وأنّ الدولة تمسك بزمام الأمور.
في المقابل، تنقل وسائل إعلام غربية وتقارير حقوقية صورة مختلفة تمامًا، تتحدّث عن قمع واسع، وسقوط أكثر من 500 قتيل، في ظل عمليات إطلاق نار مباشر نفذتها عناصر من الحرس الثوري وميليشيا الباسيج، وسط تعتيم شامل فرضه قطع الإنترنت عن البلاد.
هذا التناقض لا يقتصر على توصيف الحدث، بل يكشف عن أزمة بنيوية في قدرة النظام على إدارة الشرعية والرواية معاً، في مرحلة لم يعد فيها القمع وحده كافياً لإخماد الغضب، ولا الخطاب الأيديولوجي قادرًا على إقناع الشارع.
من احتجاجات إلى أزمة نظام
ما يميّز موجة الاحتجاجات الأخيرة أنّها تجاوزت سريعاً الإطار المعيشي والاقتصادي، لتتحوّل إلى حراك سياسي يطعن بشرعية الحكم نفسه، فالأزمة الاقتصادية الخانقة، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيار العملة، لم تعد تُقرأ كفشل حكومي عابر، بل كنتاج مباشر لنموذج حكم مغلق استنزف الدولة والمجتمع على حد سواء.
الشعارات التي استهدفت رأس النظام والمؤسسة الدينية تمثّل تحوّلاً نوعيّاً في الوعي الاحتجاجي، حيث لم يعد الشارع الإيراني يطالب بإصلاحات داخل المنظومة، بل بات يشكّك في جدوى استمرارها. وهذا التحوّل يضع النظام أمام مأزق وجودي لا يمكن احتواؤه بإجراءات أمنية تقليدية.
خطاب المؤامرة
في مواجهة هذا التحدي، عاد النظام الإيراني إلى خطابه المألوف، مُتّهماً المتظاهرين بأنّهم “وقود لمخططات صهيونية” ترسمها أجهزة استخبارات خارجية، وعلى رأسها الموساد، وتُنفَّذ عبر “مغرَّر بهم” من أبناء الداخل، بدعم أميركي وغربي، وبمساندة وجوه معارضة عادت إلى الواجهة السياسية والإعلامية.
غير أنّ هذا الخطاب، الذي شكّل في مراحل سابقة أداة تعبئة فعّالة، يبدو اليوم أقل قدرة على الإقناع، خصوصاً لدى الأجيال الشابة، فالتلويح الدائم بالخطر الخارجي لم يعد كافيًا لتبرير القمع أو الفشل الداخلي، بل قد يتحوّل إلى عامل إضافي في تعميق القطيعة بين الدولة والمجتمع.
القمع الأمني
يعتمد النظام، في هذه المرحلة، على الحرس الثوري والباسيج كركيزة أساسية للبقاء، لكن هذا الخيار، وإن نجح مرحليّاً في ضبط الشارع، يحمل في طيّاته مخاطر استراتيجية. فالقمع الواسع يراكم كلفة سياسية وأخلاقية، داخليّاَ وخارجيّاً، ويزيد من عزلة إيران الدولية، ويضع الأجهزة الأمنية نفسها أمام استنزاف طويل الأمد.
الأخطر من ذلك أنّ استمرار هذا النهج يفترض ولاءً مطلقاً داخل مؤسّسات القوّة، وهو افتراض لا يمكن ضمانه إلى ما لا نهاية، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية تطال حتى القواعد الصلبة للنظام.
أمام هذا المشهد، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام الإيراني: (1) الاحتواء المؤقت: قد ينجح النظام في خفض وتيرة الاحتجاجات عبر القمع وقطع الاتصالات، لكنه سيكون احتواءً هشًا، يؤجّل الانفجار ولا يمنعه، ويجعل أي موجة مقبلة أكثر عنفًا واتساعًا.
(2) التصلّب والانغلاق: أي الانتقال نحو نموذج دولة أمنية أكثر قسوة، تُدار بالقوة العارية. هذا الخيار قد يضمن البقاء على المدى القصير، لكنه يسرّع في تفكك العقد الاجتماعي، ويضع البلاد على سكة استنزاف داخلي طويل.
(3) التآكل والانهيار التدريجي: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسّط، حيث يفقد النظام تدريجيّاً قدرته على السيطرة الفعلية، حتى وإن حافظ شكليّاً على مؤسّسات الحكم، تمهيداً لتحوّل جذري أو سقوط مفاجئ.
نهاية مرحلة
بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، يبدو أنّ النظام الإيراني يقف عند أخطر منعطف في تاريخه. فالأزمة لم تعد أزمة احتجاجات أو ضغوط خارجية، بل أزمة حكم وشرعية وثقة.
إذا استمر النظام في التعامل مع الواقع بمنطق أمني صرف، من دون مراجعة سياسية عميقة، فإنّ السيناريو الأسود لم يعد احتمالاً بعيداً، بل مساراً مفتوحاً: إما سقوط تدريجي ينهك الدولة، أو انفجار مفاجئ ينهي مرحلة كاملة من حكم الملالي.
وفي الحالتين، يبدو أنّ إيران دخلت مرحلة ما بعد الاستقرار الموهوم، وأنّ عدّاد النظام بدأ بالعمل عكسيّاً، إيذاناً بتحوّل لا يمكن تجاهله.

خاص Checklebanon



